فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 779

ويعلمون فيه؟ أ شي ء قضى عليهم، ومضى من قدر قد سبق؛ أو فيما يستقبلون فيما أتاهم به نبيهم فأخذت عليهم به الحجة؟ قال: فهلا يكون ذلك ظلما؟

قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت إنه ليس شي ء إلا وهو خلق للّه وملك يده، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فقال: سددك اللّه؛ إني واللّه ما سألتك إلا لأحرز عقلك» «1» قالوا: ويكفي في هذا قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (الأنبياء: 23) وقالوا ونحن نرى في الشاهد أن السيد إذا أمكن عبيده من الفساد وهو قادر على منعهم وكفهم عن ذلك فلم يفعل، بل خلى بينهم وبين ذلك ومكنهم منه وأعانهم عليه، وأعطاهم أسبابه ثم عاقبهم على ذلك كان ظالما لهم، واللّه تعالى قد فعل ذلك بعبيده هو أعدل العادلين وليس بظلام للعبيد؛ فعلمنا أن الظلم المنزه عنه هو المحال بذاته وأنه غير مقدور.

وأصحاب هذا القول إنما نزهوا اللّه عن المستحيل لذاته الّذي لا يتصور وجوده، ومعلوم أن هذا التنزيه يشترك فيه كل أحد، ولا يمدح به أحد أصلا فإنه لا مدح في كون الممدوح منزها عن الجمع بين النقيضين، واللّه تعالى قد تمدح بعدم الظلم، وأنه لا يريده ومحال أن يتمدح بكونه لا يريد الجمع بين النقيضين، وأنه لا يريد قلب الحادث قديما، ولا قلب القديم حادثا، ولا جعل الشي ء موجودا معدوما في آن واحد.

وأيضا فإنه سبحانه قال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (طه: 112) قال المفسرون من السلف والخلف قاطبة:

الظلم أن يحمل عليه سيئات غيره، والهضم أن ينقص من حسنات ما عمل، وعند الجبرية أن هذا لو وقع لم يكن ظلما، ومن المعلوم أن الآية لم ترفع عنه خوف المحال لذاته، وأنه لا يخاف الجمع بين النقيضين، فإنه لا يخاف ذلك، ولو أتى بكل كفر وإساءة، فلا يجوز تحريف كلام اللّه بحمله على هذا. فإن الخوف من الشي ء يستلزم تصور وجوده وإمكانه، وما لا يمكن وجوده يستحيل خوفه. وأيضا فإنه لا يحسن أن ينفى الجمع بين الضدين في السياق الّذي نفي

(1) رواه مسلم (2650) مطولا، والإمام أحمد (4/ 438) ، وغيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت