فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 779

وكماله أن يكون مجاورا له في داره مع الطيبين. فأخرج من المادة النارية من جعله محركا للنفوس داعيا لها إلى محل الخبث لتنجذب إليه النفوس الخبيثة بالطبع، وتميل إليه بالمناسبة، فتتحيز إلى ما يناسبها وما هو أولى بها حكمة ومصلحة وعدلا، لا يظلمها في ذلك بارئها وخالقها، بل أقام داعيا يظهر بدعوته إياها واستجابتها له ما كان معلوما لبارئها وخالقها من أحوالها، وكان خفيا على العباد فلما استجابت لأمره؛ ولبت دعوته، وآثرت طاعته على طاعة ربها ووليها الحق الّذي تتقلب في نعمه وإحسانه ظهر لملائكته ورسله وأوليائه حكمته وعدله في تعذيب هذه النفوس وطردها عنه وإبعادها عن رحمته؛ وأقام للنفوس الطيبة داعيا يدعوها إليه إلى مرضاته وكرامته، فظهر لهم حمده التام وحكمته البالغة في الأمرين، وعلموا أن خلق عدو اللّه إبليس وجنوده وحزبه، وخلق وليه وعبده جبريل وجنوده وحزبه، هو عين الحكمة والمصلحة، وأن تعطيل ذلك مناف لمقتضى حكمته وحمده.

يوضحه: أن من لوازم ربوبيته تعالى وإلهيته إخراج الخبأ في السماوات والأرض من النبات والأقوات والحيوان والمعادن وغيرها، وخبأ في السماوات ما أودعها من أمره الّذي يخرجه كل وقت بفعله وأمره وهذا من تدبيره لملائكته وتصرفه في العالم العلوي والسفلى، فبإخراج هذا الخبأ تظهر قدرته ومشيئته وعلمه وحكمته. وكذلك النفوس فيها خبأ كامن يعلمه سبحانه منها، فلا بد أن يقيم أسبابا يظهر بها خبأ النفوس الذي كان كامنا فيها، فإذا صار ظاهرا عيانا ترتب عليه أثره. إذ لم يكن يترتب على نفس العلم به دون أن يكون معلوما واقعا في الوجود.

*** (حكمة الابتلاء)

قال تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (آل عمران: 179) ، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت