ومعلوم أنها إنما استمرت في مدة الحياة على غيها وكفرها لقيام الأسباب التي زينت لها ذلك لو لا تلك الأسباب لآثرت رشدها فإنه مقتضى فطرتها، ولا ريب أن تلك الأسباب تبطل وتضمحل في الآخرة ولا سيما في دار العذاب، بل إنما وضعت تلك الدار لإزالة تلك الشرور وكيف تدوم تلك الأسباب وقد ذاقوا عقوبتها وألمها الشديد، وتيقنوا أنها كانت أضر شي ء عليهم وندموا عليها أعظم الندم، وليس في الطبيعة الإنسانية الإصرار على تلك الأسباب وإيثارها بعد طول التألم الشديد بها؛ نعم العذاب باق ما بقيت فإذا قدر زوالها وتبدلها وإقرار أصحابها على أنفسهم أنهم كانوا ظالمين وأن اللّه تعالى إنما عذبهم بعدله، وشهدوا على أنفسهم أنهم لا يصلح لهم غير ما هم فيه من العقوبة وأن حمده سبحانه أنزلهم تلك الدار؛ فقام بقلوبهم حمده وشكره والثناء عليه بموجب أسمائه وصفاته التي كانت في فطرهم أولا وحمدوه حمد محب معترف بالجناية وآثروا رضاه على كل شي ء فلو قام هذا بقلوبهم حقيقة وعلمه اللّه منهم لصارت النار بردا وسلاما عليهم، كما في الأثر المرفوع الّذي ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «حسن الظن باللّه» : «أن رجلين ممن دخلا النار اشتد صياحهما. فقال تعالى: اخرجوهما فأخرجا؛ فقال: لأى شي ء اشتد صياحكما؟ قالا: فعلنا ذلك لترحمنا. فقال رحمتى بكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار. قال:
فينطلقان فيلقى أحدهما نفسه فيه فيجعلها اللّه بردا وسلاما عليه، ويقوم الآخر فلا يلقى نفسه فيقول له الرب: ما منعك أن تلقى نفسك كما ألقى صاحبك؟ فيقول:
رب إن أرجو ألا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني. فيقول الرب: لك رجاؤك.
فيدخلان جميعا الجنة» «1» وذكر ابن أبي الدنيا أيضا حديثا آخر مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: «يؤمر بإخراج رجلين من النار، فإذا أخرجا وقفا. قال اللّه لهما: كيف وجدتما من مقيلكما وسوء مصيركما؟ فيقولان شر مقيل وأسوأ
(1) [ضعيف] وأخرجه الترمذي (2599) ، وابن أبي الدنيا في «حسن الظن باللّه» وقال الترمذي: إسناد هذا الحديث ضعيف، لأنه عن رشدين بن سعد ورشدين بن سعد هو ضعيف عند أهل الحديث عن ابن أنعم وهو الإفريقى، والإفريقى: ضعيف عند أهل الحديث ا ه وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي» .