بهذا الجزء اليسير. ومعلوم أن أعداءه المشركين لن تخلوا قلوبهم من الإيمان به. قال اللّه تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (يوسف: 106) فأثبت لهم إيمانا مع الشرك، وهذا الإيمان وإن لم يؤثر في إخراجهم من النار، كما أثر إيمان أهل التوحيد، بل كانوا معه خالدين فيها بشركهم وكفرهم فإن النار إنما سعرها عليهم الشرك والظلم فلا يمتنع في الرحمة والحكمة والعدل أن يطفئها ويذهبها بعد أخذ الحق منهم، فيجتمع ضعف أسباب تسعيرها وقوة أسباب زوالها. فهذا غير ممتنع في الحكمة الإلهية، ولم يخبر الرسول بامتناعه، وأنه لا يكون في موضع واحد، ولا دل على ذلك نقل ولا عقل. بل الّذي دل عليه النقل والإجماع أنهم خالدون فيها أبدا. وأنهم ليسوا بخارجين منها. ولا يموتون فيها ولا يحيون وهذا متفق عليه بين المسلمين. وإنما الشأن في أمر آخر.
والوجه العاشر: أن أسباب العذاب من النفس وغاياتها اتباع أهوائها. وأما أسباب الخير فمن ربها وفاطرها، وهو الغاية والمقصود بها، فهى به وله.
قال اللّه تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (النساء: 79) ، فالحسنات مصدرها من اللّه غايتها منتهية إليه.
والسيئات من النفس وهى غايتها. قال اللّه تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (النحل: 53) ، فليس للحسنات سبب إلا مجرد فضل اللّه ومنته، والأعمال الصالحة وإن كانت أسباب النعم والخيرات فمن وفقه لها وأعانه عليها وشاءها له سواه؟ فالنعم وأسبابها من اللّه؛ وأما السيئات التي أسلفها العبد فمن نفسه، وسببها جهله وظلمه؛ فإذا ترتبت عليها سيئات الجزاء كان السبب والمسبب من نفسه، فليس للجزاء السيئ في الدنيا والآخرة سبب إلا ذنوب العبد التي من نفسه، فالشر كله من نفسه والخير كله من ربه، فإن أكثره ليس للعبد فيه مدخل. فإن اللّه هو الذي أنعم عليه به، ولهذا قال بعض السلف «لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه» ولهذا قال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (النساء: 79) فخص بالخطاب تنبيها على الأدنى، ولم يخرجه في صورة العموم لئلا يتوهم متوهم أنه عام