فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 779

وتأمل قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث الشفاعة «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» «1» ، فإذا كان ذات الغضب الشديد لا يدوم ولا يستمر بل يزول، وهو الذي سعر النار؛ فإنها إنما سعرت بغضب الجبار تبارك وتعالى فإذا زال السبب الذي سعرها، فكيف لا تطفأ؛ وقد طفئ غضب الرب وزال، وهذا بخلاف رضاه فإنه من لوازم ذاته دائما بدوامها؛ ولهذا دام نعيم أهل الجنة والرضى، كما يقول لهم في الجنة «إني أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم أبدا» «2» فكيف يساوي بين موجب رضاه وموجب سخطه في الدوام ولم يستو الموجبان.

الوجه الثاني عشر: إنه كما قيد الغضب الشديد بذلك اليوم قيد العذاب المرتب عليه به كما في قوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (الزخرف: 65) وقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (مريم: 37) فجعل العذاب والمشهد واقعين في ذلك اليوم العظيم، بل جعل العذاب يوم العذاب أبدا، ولا يقال في الشي ء الأبدى الذي لا يفنى ولا يبيد إنه عمل يوم وطعام يوم وعذاب يوم، ولم ينتقض هذا بقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (القمر: 38) ، ولا بقوله:

إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (القمر: 19) ، فإن استقراره واستمراره لا يقتضي أبديته لغة ولا عرفا ولا عقلا، وقد أخبر سبحانه عن بطن الأم أنه مستقر الجنين بقوله وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ (الحج: 5) ، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ (الأنعام: 98) سواء كان المستقر صلب الأب والمستودع بطن الأم أو عكس ذلك.

أو دار الدنيا ودار البرزخ كما هي أقوال المفسرين في الآية. فالمستقر لا يدل على أنه أبدي؛ وكذلك المستمر لا يدل على الأبدية، فاستقرار كل شي ء واستمراره

(1) رواه البخاري (4476) .

(2) أخرجه البخاري (6549) ، ومسلم (2829) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت