فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 779

لبحرا «1» . فادعى المدعى أن هذا مجاز، وكان ظن أن العرب وضعت البحر لهذا الماء المستبحر ثم نقلته إلي الفرس لسعة جريه فشبهته به فأعطته اسمه، وهذا إن كان محتملا فلا يتعين ولا يصار إلى القبول به لمجرد الاحتمال فإنه من الممكن أن يكون البحر اسما لكل واسع، فلما كان خطو الفرس واسعا سمى بحرا، وقد تقيد الكلام بما عين مراد قائله بحيث لا يحتمل غيره، فهذا التركيب والتقييد معين لمقصوده، وأنه بحر في جريه لا أنه بحر ماء نقل إلى الفرس.

(يوضحه) إنهم قصدوا تسمية الخيل بذلك فقالوا للفرس جواد وسابح وطرف، ولو عرى الكلام من سياق يوضح الحال لم يكن من كلامهم؛ وكان فيه من الإلباس ما تأباه لغتهم؛ ألا ترى أنك لو قلت رأيت بحرا وأنت تريد الفرس، أو رأيت أسدا وأنت تريد الرجل الشجاع لم يكن ذلك جاريا على طريق البيان: فكان بالألغاز والتلبيس أشبه منه بالمائدة وهؤلاء المتكلفون والمتكلمون بلا علم يقدرون كلاما يحكمون عليه بحكم ثم ينقلون ذلك الحكم إلى الكلام المستعمل، وهذا غلط؛ فإن الكلام المستعمل لا بد أن يقترن به من البيان والسياق ما يدل على مراد المتكلم، وذلك الكلام المقدر مجرد عن ذلك؛ ولا ريب أن الكلام يلزم في تجرده لوازم لا تكون له عند اقترانه وكذلك بالعكس، ونظير هذا الغلط أيضا أنهم يجردون اللفظ المفرد عن كل قيد ثم يحكمون عليه بحكم ثم ينقلون ذلك الحكم إليه عند تركيبه مع غيره؛ فيقولون الأسد من حيث يقطع النظر عن كل قرينه هو الحيوان المخصوص، والبحر بقطع النظر عن كل تركيب هو الماء الكثير وهذا غلط؛ فإن الأسد والبحر وغيرهما بالاعتبار المذكور ليس بكلام ولا جزء كلام ولا يفيد فائدة أصلا؛ وهو صوت ينعق به؛ يوضحه.

الوجه الثاني والثلاثون: إنكم إما تعتبروا تحقيق الوضع الأول الذي يكون اللفظ بالخروج عنه مجازا أو تعتبروا تقديره، فإن اشترطتم تحقيقه بطل التقسيم

(1) أخرجه البخارى (2820، 2857) ، ومسلم (2307) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت