فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 779

والجواد بقرينة، والأسد موضوع للحيوان المفترس بمجرده، وللرجل الشجاع بقرينة. وإذا كان كذلك ارتفع المجاز في اللغة. وهذا سؤال صحيح، ولهذا لم يجبهم عنه منازعون إلا بأنه مشترك الإلزام، فقالوا في جوابهم: إن هذا لزمنا في التخصيص لزمكم في الاستثناء، فإنكم تقولون في الاستثناء ما نقوله نحن في التخصيص.

هذا لفظ جوابهم، فقد اعترف الفريقان بأن القول بكون العام المخصوص حقيقة ينفي المجاز بالكلية، ولم يكن عند القائلين جواب سوى أن هذا يلزمنا ويلزمكم جميعا، فثبت باعتراف الفريقين لزوم نفي المجاز لكون العام المخصوص حقيقة، وجمهور أهل الأرض على أنه حقيقة، بل لا يعرف في ذلك خلاف متقدم البتة. فإذا كان الحق أنه حقيقة ولزمه نفي المجاز ولازم الحق حق، فنفي المجاز هو الحق، فهذا تقرير نفي المجاز من نفس قولهم تقريرا لا حيلة لهم في دفعه.

الوجه الثاني والأربعون: إن القائلين بالمجاز قالوا- واللفظ لأبي الحسين- يعرف المجاز بالاستدلال، وذلك بأن يسبق إلى أذهان أهل اللغة عند سماع اللفظ من غير قرينة معنى من المعانى دون معنى آخر، فعلموا بذلك أنه حقيقة فيما سبق إلى الفهم، لأنه لو لا أنه قد اضطر السامع من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا اللفظ- لذلك المعنى ما سبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره.

فهذا الكلام يتضمن أمرين (أحدهما) أن يكون السابق يسبق إلى أفهام أهل اللغة دون غيرهم، فمن لم يكن من أهل اللغة العربية التي بها نزل القرآن، لم يكن من أهل هذه اللغة كالنبط «1» الذين أكثر عاداتهم استعمال كثير من الألفاظ في غير ما كانت العرب تستعمله فيها، وحينئذ فلا عبرة بالسبق إلى أفهام النبط الذين ليسوا من هؤلاء العرب العرباء، فأكثر القائلين بالمجاز أو كلهم ليسوا من

(1) الأنباط: شعب سامي كانت له دولة في شمالى شبه الجزيرة العربية، وعاصمتهم «سلع» ؛ وتعرف اليوم ب «البتراء» (الوجيز) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت