فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 779

الوجه السادس: قولهم: (الرحمة رقة القلب) تريدون رحمة المخلوق أم رحمة الخالق أم كل ما سمي رحمة شاهدا أو غائبا، فإن قلتم بالأول صدقتم ولم ينفعكم ذلك شيئا، وإن قلتم بالثاني. والثالث كنتم قائلين غير الحق، فإن الرحمة صفة (الرحيم) وهي في كل موصوف بحسبه، فإن كان الموصوف حيوانا له قلب فرحمته من جنسه رقة قائمة بقلبه، وإن كان ملكا فرحمته تناسب ذاته، فإذا اتصف أرحم الراحمين بالرحمة حقيقة، لم يلزم أن تكون رحمته من جنس المخلوق لمخلوق وهذا يطرد في سائر الصفات كالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة والإرادة إلزاما وجوابا، فكيف يكون رحمة أرحم الراحمين مجازا دون السميع العليم؟

الوجه السابع: إن اسم الرحمة استعمل في صفة الخالق وصفة المخلوق، فإما أن يكون حقيقة في الموصوفين، أو حقيقة في الخالق مجازا في المخلوق أو عكسه، فإذا كانت حقيقة فيهما، فإما حقيقة واحدة وهو التواطؤ أو حقيقتان وهو الاشتراك، ومحال أن تكون مشتركة لأن معناها يفهم عند الإطلاق ويجمعهما معنى واحد ويصح تقسيمهما، وخواص المشترك منفية عنها، ولأنها لم يشتق لها وضع في حق المخلوق، ثم استعبرت من المخلوق للخالق، تعالى اللّه عما يقول أهل الزيغ والضلال فبقي قسمان: (أحدهما) أن تكون حقيقة في الخالق مجازا في المخلوق (والثاني) أن تكون حقيقة متواطئة أو مشتركة، وعلى التقديرين فبطل أن يكون إطلاقها على اللّه سبحانه مجازا.

الوجه الثامن: إنه من أعظم المحال أن تكون رحمة أرحم الراحمين التي وسعت كل شي ء مجازا، ورحمة العبد الضعيفة القاصرة المخلوقة المستعارة من ربه التي هي من آثار رحمته حقيقة، وهل في قلب الحقائق أكثر من هذا فالعباد إنما حصلت لهم هذه الصفات التي هي كمال في حقهم، من آثار صفات الرب تعالى. فكيف تكون لهم حقيقة، وله مجاز، يوضحه:

الوجه التاسع: وهو ما رواه أهل «السنن» عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: يقول اللّه تعالى: «أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت