فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 779

حصل له شي ء وإن لم يقع في نفس يده حصل في يده كذا وكذا من الخير والشر، كما يقال: كسبت يده وفعلت يده، وإن كان لغيرها من الجوارح.

الوجه الثاني: إن الندم حدث يحصل في القلب وأثره يظهر في اليد، لأن النادم يعض يديه تارة، ويضرب أحدهما بالأخرى تارة، قال تعالى: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها (الكهف: 42) وقال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ (الفرقان: 27) فلما كان أكثر الندم يظهر على اليد أضيف سقوط الندم إليها، لأن الذي يظهر للعيان من فعل الندم هو تقليب الكف وعض الأنامل، وأتى بهذا الفعل على بناء ما لم يسم فاعله إيهاما لشأن الفعل كقولهم: دهى فلان وأصيب بأمر عظيم.

والمقصود أن مثل ذلك لا يقال إلا لمن له يد حقيقة؛ فإذا قيل سقط في يده عرف السائل أن هذا الكلام مستلزم لحقيقة اليد، ومن هذا قول النبي صلى اللّه عليه وسلم «أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا» «1» فكن يخرجن أيديهن ليعلمن أيهن أطول يدا، فلما سبقتهن زينب إلى اللحاق به ولم تك يدها الذاتية أطول من أيديهن علموا أنه أراد طولها بالصدقة، وكانت تسمى أم المساكين لكثرة صدقتها، ومثل هذا اللفظ يحتمل المعنيين ولهذا فهم نساؤه منه؛ وهن أفصح نساء العرب اليد الحقيقية، حتى تبين لهن أخيرا أنه طولها بالصدقة، وهذا من التعريض المباح بأن يذكر لفظا محتملا لمعنيين، ومراده أحدهما كقوله: «نحن من ماء» «2» وقوله: «ذاك الذي في عينيه بياض» «3» وقوله: «الجنة لا يدخلها العجزة» «4» وقول

(1) رواه البخاري (1420) ، ومسلم (2452) .

(2) انظر «البداية والنهاية» لابن كثير (3/ 264) ، «السيرة النبوية» له (2/ 396) .

(3) قال الحافظ العراقي: رواه الزبير بن بكار في كتاب «الفكاهة والمزاح» ، ورواه ابن أبي الدنيا من حديث عبد اللّه بن سهم الفهري مع اختلاف ا ه وانظر «الإتحاف» للإمام الزبيدي (7/ 500) .

(4) [ضعيف الإسناد وهو حسن لغيره] أخرجه الترمذي في «الشمائل» (230) عن الحسن البصرى مرسلا: أتت عجوز إلى النبي، صلى اللّه عليه وسلم فقالت: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز، قال: فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن اللّه تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً، فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت