فهرس الكتاب

الصفحة 518 من 779

لاستقصاء العدد بالياء. وأما نعم اللّه فهي أكثر وأعظم من أن تحصر أو تعد، قال اللّه تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (إبراهيم: 34) قال:

اعلم رحمك اللّه أن قائل هذه المقالة جاهل بلغة القرآن وبلغة العرب ومعانيها وكلامها وذلك أن اللّه إذا افتتح الخبر عن نفسه بلفظ الجمع ختم الكلام بلفظ الجمع، وإذا افتتح الكلام بلفظ الواحد ختم الكلام بلفظ الواحد، وإنما يعني الخبر عن نفسه وإن كان اللفظ جمعا، فأما ما كان من لفظ الواحد فهو قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (الإسراء: 23) فامتنح الخبر عن نفسه بلفظ الواحد، ويمثله ختم الكلام فقال أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وقال:

وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (الإسراء: 24) وقال: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ (الإسراء: 54) أما ما افتتحه بلفظ الجمع فهو قوله: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ (الإسراء: 4) فافتتحه بلفظ الجمع ثم ختمه بمثل ما افتتحه به فقال: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا (الإسراء: 5) وإنما عنى بذلك نفسه لأنها كلمة ملوكية تقولها العرب.

(وروي) أن ابن عباس لقي أعرابيا ومعه ناقة فسأله لمن هذه؟ فقال الأعرابي:

لنا، فقال له ابن عباس كم أنتم؟ فقال أنا واحد، فقال ابن عباس هكذا قول اللّه تعالى نحن وخلقنا، وقضينا، إنما يعني نفسه والمبهم يرد إلى المحكم، فكل كلمة في القرآن من لفظ جمع قبلها محكم من التوحيد ترد إليه، فمن ذلك قوله: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ يرد إلى قوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وقوله: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا يرد إلى قوله: إِنَّما أَمْرُهُ وقوله:

لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وكذلك قوله: أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا يرد إلى قوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فلما افتتح الكلام بلفظ الجمع فقال أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ قال أَيْدِينا ولما افتتح بقوله: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ختم الكلام على ما افتتحه به، فهذا بيان لقوم يفقهون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت