فهرس الكتاب

الصفحة 614 من 779

عين هذه المخلوقات، ولا صفة ولا جزء منها، فإن الخالق غير المخلوق، وليس بداخل فيها محصور بل هي صريحة في أنه مباين لها وأنه ليس حالا فيها ولا محلا لها، فهي هادية للقلوب عاصمة لها أن يفهم من قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ.

أن اللّه سبحانه عين المخلوقات أو حال فيها أو محل لها.

الوجه الرابع: إنه ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه سبحانه مختلط بالمخلوقات ممتزج بها، ولا تدل لفظة «مع» على هذا بوجه من الوجوه فضلا أن يكون هو حقيقة اللفظ وموضوعه، فإن «مع» في كلامهم لصحبته اللائقة وهي تختلف باختلاف متعلقاتها ومصحوبها، فكون نفس الإنسان معه لون، وكون علمه وقدرته وقوته معه لون، وكون زوجته معه لون، وكون أميره ورئيسه معه لون وكون ما له معه لون. فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها، فيصح أن يقال: زوجته معه وبينهما شقة بعيدة، وكذلك يقال مع فلان دار كذا وضيعته كذا، فتأمل نصوص المعية في القرآن كقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ (الفتح: 29) وقوله: يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ (الحديد: 14) وقوله: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا (التوبة: 83) وقوله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (التوبة: 119، البقرة: 43، البقرة: 249، التحريم: 8، آل عمران: 53) فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (النساء: 102، 103، المائدة: 84) ، وأضعاف ذلك، هل يقتضي موضع واحد منها مخالطة في الذوات التصاقا وامتزاجا، فكيف تكون حقيقة المعية في حق الرب تعالى ذلك حتى يدعي أنها مجاز لا حقيقة، فليس في ذلك ما يدل على أن ذاته تعالى فيهم ولا ملاصقة لهم، ولا مخالطة ولا مجاوزة بوجه من الوجوه، وغاية ما تدل عليه (مع) المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور. وذا الاقتران في كل موضع بحسبه يلزمه لوازم بحسب متعلقة.

فإن قيل: اللّه مع خلقه بطريق العموم، كان من لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم وقدرته عليهم، وإذا كان ذلك خاصا كقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (الحديد: 4) كان من لوازم ذلك معيته لهم بالنصرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت