فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 779

قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت صوتا أحسن منه» «1» فأضاف الصوت إليه، ثم ذكر حديث ابن عباس: «أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان متواريا بمكة وكان يرفع صوته بالقرآن، وفإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن جاء به، فأنزل اللّه تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها «2» ، ثم قال:

باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز تراقيهم، وذكر في الباب حديث أبي سعيد الخدري: «يخرج أناس من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم» «3» ، ومعلوم أن المراد التلاوة والأداء وما قام بهم من الأصوات، وأنها لم تجاوز حناجرهم، وكان البخاري قد امتحن بهذه الفرقة، فتجرد للرد عليهم وبالغ في ذلك في كتاب «خلق أفعال العباد» فإنه بناه على ذلك وأن أصوات العباد من أفعالهم أو متولدة عن أفعالهم فهي من أفعالهم، فالصوت صوت العبد حقيقة؛ والكلام كلام اللّه حقيقة، أداه العبد بصوته كما يؤدى كلام الرسول وغيره بصوته، فالعبد مخلوق، وصفاته مخلوقة وأفعاله مخلوقة، وصوته وتلاوته مخلوقة؛ والمتلو المؤدى بالصوت غير مخلوق.

واحتج البخاري في «الصحيح» وفي «خلق أفعال العباد» على ذلك بنصوص التبليغ، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (المائدة: 67) وقوله: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ (الشورى: 48) وقوله:

لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي (الأعراف: 79) وهذا من رسوخه في العلم، فإن ذلك يتضمن أصلين ضل فيهما أهل الزيغ (أحدهما) أن الرسول ليس له من الكلام إلا مجرد تبليغه، فلو كان هو قد أنشأ ألفاظه لم يكن مبلغا بل منشئا مبتدئا، ولا تعقل الأمم كلها من التبليغ سوى تأدية كلام الغير بألفاظه ومعانيه ولهذا يضاف الكلام إلى المبلغ عنه لا إلى المبلغ.

(1) رواه البخاري (767) ، ومسلم (464) .

(2) رواه البخاري (7547) .

(3) رواه البخاري (7562) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت