يقول علت أصواتكم صوتي، فنهى النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن يرفع بعضهم على بعض صوته، ولم ينه عن القرآن ولا عن كلام اللّه.
قال البخاري: واعتل بعضهم فقال حتى يسمع كلام اللّه (قيل له) إنما قال حتى يسمع كلام اللّه لا كلامك ونغمتك وصوتك، إن اللّه فضل موسى بكلامه، ولو كان يسمع الخلق كلهم كلام اللّه كما سمع موسى لم يكن لموسى عليه فضل، ومعنى هذا أن هذا الصوت المسموع من القارئ لو كان هو الصوت الذي سمعه موسى لكان كل من سمع القرآن بمنزلة موسى في ذلك.
وإذا قيل حروف المعجم قديمة أو مخلوقة (فجوابه) أن الحرف حرفان:
فالحرف الواقع في كلام المخلوقين مخلوق، وحروف القرآن غير مخلوقة.
(فإن قيل) كيف الحرف الواحد مخلوق وغير مخلوق (قيل) ليس بواحد بالعين وإن كان واحدا بالنوع، كما أن الكلام ينقسم إلى مخلوق وغير مخلوق، فهو واحد بالنوع لا بالعين.
وتحقيق ذلك أن الشي ء له أربع مراتب: مرتبة في الأعيان، ومرتبة في الأذهان، ومرتبة في اللسان، ومرتبة في الخط. فالمرتبة الأولى وجوده العينى، والثانية وجوده الذهني، والثالثة وجوده اللفظي، والرابعة وجوده الرسمي، وهذه المراتب الأربعة تظهر في الأعيان القائمة بنفسها، كالشمس مثلا، وفي أكثر الأعراض أيضا كالألوان وغيرها، ويعسر تمييزه في بعضها كالعلم والكلام، أما العلم فلا يكاد يحصل الفرق بين مرتبته في الخارج ومرتبته في الذهن، بل وجوده الخارجي مماثل لوجوده الذهني. وأما الكلام فإن وجوده الخارجي ما قام باللسان، ووجوده الذهني ما قام بالقلب، ووجوده الرسمي ما أظهر الرسم، فأما وجوده اللفظي فقد اتحدت فيه المرتبتان الخارجية واللفظية.
ومن مواقع الاشتباه أيضا أن الصوت الذي يحصل له إنشاء الكلام مثل الصوت يحصل به أداؤه وتبليغه، وكذلك الحرف فصوت امرئ القيس وحروفه من