فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 779

وتطفيفا في حقوقه، وجحودا لفضيلته حتى لو كان القرآن حيا ناطقا لكان ذلك متظلما، ومن هذه البدعة متوجعا متألما. أ ترى ليس هذا الكتاب الذي قال اللّه فيه وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت: 41، 42) وقال إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (الواقعة: 78، 79) وقال: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (الطور: 1 - 3) أو ليس الحبر والورق قبل ظهور الحروف المكتوبة لا يمنع من مسه المحدثون. وإذا ظهرت الحروف المكتوبة صار (لا يمسه إلا المطهرون) أ ليس هذا الكتاب الذي قال فيه صاحب الشريعة تنزيلا وتجليلا «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم» «1» أ ليس اللّه تعالى يقول في كتابه يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ (مريم: 12) وقال في حق موسى وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ ءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ (الأعراف: 145) أ فترى من القوة تهوينها عند المكلفين، والازدراء بها عند المتخلفين. يزخرفون للعوام عبارة يتوقون بها إنكارهم ويدفنون فيها معنى لو فهمه الناس لعجلوا بوارهم، ويقولون تلاوة ومتلو وقراءة ومقروء، وكتابة ومكتوب. هذه الكتابة معلومة فأين المكتوب؟ وهذه التلاوة مسموعة فأين المتلو؟

يقولون القرآن عندنا قديم قائم بذاته سبحانه، وإنما هي زخارف لبسوا بها ضلالتهم، وإلا فالقرآن مخلوق عندهم لا محالة، فقد انكشف للعلماء منهم هذه المقالة يقدمون رجلا نحو الاعتزال فلا يتجاسرون، ويؤخرون أخرى نحو أصحاب الحديث ليستتروا فلا يتظاهرون. إن قلنا لهم ما مذهبكم في القرآن؟

قالوا قديم غير مخلوق، وإن قلنا فم القرآن أ ليس هو السور المسورة والآيات المسطرة في الصحف المطهرة، أ ليس هو المحفوظ في صدور الحافظين، أ ليس هو المسموع من ألسنة التالين؟ قالوا إنما هو حكايته وما أشرتم إليه عبارته، وأما القرآن فهو قائم في نفس الحق غير ظاهر في إحساس الخلق فانظروا معاشر المسلمين إلى مقالة المعتزلة كيف جاءوا بها في صورة أخرى.

(1) تقدم تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت