النصح، إلى ضد البيان والهدى والإرشاد، وأن المتحيرين المتهوكين أجادوا العبارة في هذا الباب، وعبروا بعبارة لا توهم من الباطل ما أوهمته عبارة المتكلم بتلك النصوص. ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه أو أفصح أو أنصح للناس. المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها ... فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم وقد حلت بها المثلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، ونادى عليها أهل التأويل في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويل ما يريد. فلو رأيتها وقد عزلت عن سلطنة اليقين، وجعلت تحت تحكم تأويل الجاهلين. وهذا وقد قعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع في صدورها والأعجاز؛ وقالوا لا طريق لك علينا، وإن كان ولا بد فعلى سبيل المجاز، فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين. وأنت أدلة لفظية، وظواهر سمعية. لا تفيد العلم ولا اليقين؛ فسندك آحاد؛ وهو عرضة للطعن في الناقلين. وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منها موقوف على انتفاء عشرة أشياء لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند الناظرين والباحثين.
فلا إله إلا اللّه واللّه أكبر!! كم هدمت هذه المعاول من معاقل الإيمان، وتثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن. فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم من أفضل الجهاد في سبيل اللّه. وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لحسان بن ثابت:
«إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن رسوله» «1» .
واعلم أنه لا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه على أن الدين كله للّه، وأن الهدى هدى، وأن الحق دائر مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجودا وعدما، وأنه لا مطاع سواه ولا متبوع غيره، وأن كلام غيره يعرض على كلامه فإن وافقه قبلناه، لا لأنه قاله، بل لأنه أخبر به عن اللّه تعالى ورسوله، وإن خالفه رددناه. ولا يعرض كلامه صلى اللّه عليه وسلم على آراء القياسيين؛ ولا على عقول الفلاسفة والمتكلمين ولا أذواق المتزهدين، بل تعرض هذه كلها على ما جاء به، عرض
(1) رواه مسلم في (فضائل الصحابة/ 2490) .