بموجبه، ولو جاز أن يكون كذبا أو غلطا في نفس الأمر لكانت الأمة مجمعة على قبول الخطأ والعمل به، وهذا قدح في الدين والأمة.
الدليل العشرون: إن الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم كانوا يقبلون خبر الواحد ويقطعون بمضمونه، فقبله موسى من الذي جاء من أقصى المدينة قائلا له إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فجزم بخبره وخرج هاربا من المدينة، وقبل خبر بنت صاحب مدين لما قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا وقبل خبر أبيها في قوله: هذه ابنتي وتزوجها بخبره.
وقبل يوسف الصديق خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك وقال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة.
وقبل النبي صلى اللّه عليه وسلّم خبر الآحاد الذين كانوا يخبرونه بنقض عهد المعاهدين له وغزاهم بخبرهم واستباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم، ورسل اللّه صلواته وسلامه عليهم لم يرتبوا على تلك الأخبار أحكامها، وهم يجوزون أن تكون كذبا وغلطا، وكذلك الأمة لم تثبت الشرائع العامة الكلية بأخبار الآحاد، وهم يجوزون أن يكون كذبا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في نفس الأمر، ولم يخبروا عن الرب تبارك وتعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله بما لا علم لهم به، بل يجوز أن يكون كذبا وخطا في نفس الأمر، هذا مما يقطع ببطلانه كل عالم مستبصر.
الدليل الحادي والعشرون: إن خبر العدل الواحد المتلقى بالقبول لو لم يفد العلم لم تجز الشهادة على اللّه ورسوله بمضمونه، ومن المعلوم المتيقن أن الأمة من عهد الصحابة إلى الآن لم تزل تشهد على اللّه وعلى رسوله بمضمون هذه الأخبار جازمين بالشهادة في تصانيفهم وخطابهم، فيقولون شرع اللّه كذا وكذا على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فلو لم يكونوا عالمين بصدق تلك الأخبار جازمين بها لكانوا قد شهدوا بغير علم وكانت شهادة الزور من سادات الأمة وعلمائها.
قال أبو عمرو بن الصلاح: وقد ذكر الحديث الصحيح المتلقى بالقبول المتفق على صحته: وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ.