فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 779

ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص، وبلفظ العلو والاستواء، وأنه (في السماء) وأنه (ذو المعارج) وأنه (رفيع الدرجات) وأنه (تعرج إليه الملائكة) وتنزل من عنده، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا «1» ، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عيانا من فوقهم «2» ، إلى أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام وآثارها. ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره، ودعوى المجاز فيه والاستعارة، وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين، وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص، إذ يلزم من ذلك محاذير ثلاثة لا بد منها، وهى القدح في علم المتكلم بها، أو في بيانه، أو في نصحه.

وتقرير ذلك أن يقال: إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في تأويلات النفاة المعطلين، أو لا يعلم ذلك؟ فإن لم يعلم ذلك كان ذلك قدحا في علمه. وإن كان عالما أن الحق فيها؛ فلا يخلوا إما أن يكون قادرا على التعبير بعبارتهم التي هي تنزيه للّه بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم، وأنه لا يعرف اللّه من لم ينزه اللّه بها، أو لا يكون قادرا على تلك العبارة؟ فإن لم يكن قادرا على التعبير بذلك لزم القدح في فصاحته. وكان ورثة الصابئة وأفراخ الفلاسفة، وأوقاح المعتزلة والجهمية، وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه وموافقوه ومخالفوه. فإن مخالفيه لم يشكوا أنه أفصح الخلق، وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق المعنى، ويخلصه من اللبس والإشكال؛ وإن كان قادرا على ذلك ولم يتكلم به وتكلم دائما بخلافه، كان ذلك قدحا في نصحه، وقد وصف اللّه رسله بأنهم أنصح الخلق لأممهم، فمع النصح والبيان والمعرفة التامة

(1) حديث النزول حديث متواتر له روايات كثيرة منها ما أخرجه البخاري (1145) ومسلم (758) وغيرهما من حديث أبى هريرة وورد من رواية على بن أبي طالب، وابن مسعود، وجابر، وأبي سعيد وغيرهم رضي اللّه عنهم أجمعين، وانظر هذه الروايات مفصلة في كتاب «اجتماع الجيوش» للمصنف.

(2) تقدم حديث الرؤية في الفصل الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت