لو كان صحيحا لم يقل ابن سيرين: استحيضت أم ولد لأنس بن مالك رضي الله عنه، فأرسلوني أسأل ابن عباس". وهذا الاستدلال من أحمد بن حنبل قد ذكره الشافعي رحمه الله تعالى قبله في مناظرة له في أقل الحيض حكى عن مناظره أنه قال:"إنما قلته لشيء رويته عن [أنس] بن مالك. قال الشافعي: فقلت له: أليس حديث الجلد بن أيوب؟ قال: بلى. فقلت: قد أخبرنيه ابن علية، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قرء حيض المرأة: ثلاث، أربع، حتى انتهى إلى عشرة. قال لي ابن علية:"الجلد أعرابي لا يعرف الحديث". وقال لي:"قد استحيضت امرأة من آل أنس، فسئل ابن عباس عنها، فأفتى فيها وأنس حي"، فكيف يكون عند أنس بن مالك ما قلت من علم الحيض ويحتاجون إلى مسألة غيره؟! ونحن وأنت لا نثبت مثل حديث الجلد، ونستدل على غلط من هو أحفظ منه بأقل من هذا"."
قلت: في هذا الاستدلال على ضعف رواية الجلد نظر، فإنه إنما يقوى بعض القوة إذا رواه الجلد من حديث أنس بن مالك مرفوعا، فيقال حينئذ: قد سبق علمه بالحكم من النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يسأل غيره بعده؟! والذي رواه الجلد موقوف على أنس وفتوى من فتاويه، فإنما يتوجه هذا إذا ثبت أنه سأل ابن عباس بعد أن أفتى أنس بن مالك، فيمكن أن يقال حينئذ: كيف سأل من عنده العلم؟! وإن لم يكن هذا الكلام بالشديد القوة، ولكن يتعذر إثبات