ولأن المأثور الشعبي ـ بما فيه نصوص الأدب الشعبي ـ هو ديوان الجماعة الشعبية، وهو سجل منجزاتها الثقافية وحصيلة خبرتها ومعارفها، فإن مكوناته تحفل بأصداء ما اكتنزته الذاكرة الجمعية، وما بقي ساريًا من حصيلة هذه الخبرة المتراكمة، وما ظل متصل الحضور من منجزاتها. ومن هنا نفهم السبب في وفرة ما تحمله نصوص الأدب الشعبي من إشارات إلى الرصيد الثقافي للجماعة، فضلًا عن وفرة العناصر والمكونات التي تستمر في الوجود وتواصل حضورها عبر الزمن.
إن إدراكنا لدور البعد الزمني وفاعلية الذاكرة الجمعية في صياغة نصوص الأدب الشعبي يجعلنا نفهم طبيعة هذه النصوص فهمًا أرشد وما يسمها من عراقة. ولعل أولى نتائج هذا الإدراك تغيير تلك النظرة التي استمرت طويلًا تنظر إلى نصوص الأدب الشعبي على أنها بقايا أثرية من عهود سالفة، أو على أنها تنتمي وحسب، إلى عالم الأولين الذي مضى وانقضى. بينما نحن نعرف الآن أن نصوص الأدب الشعبي المنقولة عن رواية شفوية هي نتاج زمن روايتها، مهما كان في هذه النصوص من طبائع الزمن السابق أو ملامح لعروق مدها التواصل الثقافي مع العهود الماضية. فمهما كان في نصوص الأدب الشعبي من أصداء للخبرة الجمعية الماضية، فإن الصوت الجلي الموجود فيها هو صوت الخبرة الجمعية الحاضرة.
الامتزاج. لا تُنْتَج مكونات المأثور الشعبي، ومن بينها نصوص الأدب الشعبي، ولا تُؤَدَّى كنشاط مستقل أو كفاعلية مقصودة لذاتها، كما هو معهود في مجالات الثقافة الرسمية وفنونها وآدابها، وإنما يتم إنتاج مكونات المأثور الشعبي وأداؤها في أثناء ممارسة أبناء المجتمع الشعبي لمشاغل معاشهم ووقائع حياتهم. ومهما تمايزت جوانب من مكونات المأثور الشعبي، فإنها تظل وجهًا من وجوه العمل في حياة الجماعة الشعبية، ومظهرًا من مظاهر تحقيقها لوجودها. وفي العادة، لا تظهر مكونات المأثور الشعبي إلا متداخلة مع ممارسة من ممارسات الحياة الجماعية وممتزجة بها.