تبكي السماء بدمع رائح غاد
على البهاليل من أبناء عبَّاد
على الجبال التي هُدّت قواعدها
وكانت الأرض منهم ذات أوتاد
نسيت إلا غداة النهر كونهم
في المنشآت كأموات بألحاد
تفرقوا جيرة من بعد ما نشأوا
أهلا بأهل وأولادًا بأولاد
جامع قرطبة الكبير
وأما نونية أبي البقاء الرندي فهي واسطة العقد في شعر رثاء المدن وأكثر نصوصه شهرة وأشدها تعبيرا عن الواقع. فهي ترثي الأندلس في مجموعها مدنا وممالك. فتصور ما حلّ بالأندلس من خطوب جليلة لا عزاء فيها ولا تأسٍ دونها وكيف ضاعت قرطبة دار العلوم، وإشبيليا مهد الفن، وحمص مهبط الجمال، وكيف سقطت أركان الأندلس واحدة تلو الأخرى، وكيف أَقفرت الديار من الإسلام فصارت المساجد كنائس وغدا صوت الأذان صوت ناقوس؟!، ثم يهيب أبو البقاء الرندي بفرسان المسلمين عبر عدوة البحر إلى المسارعة لنجدة الأندلس والمسلمين. يقول في أول القصيدة:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان
وللحوادث سلوان يسهلها
وما لما حلّ بالإسلام سلوان
إلى أن يقول:
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية
وأين شاطبة أم أين جيَّان؟
وأين قرطبة دار العلوم، فكم
من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص وما تحويه من نزه
ونهرها العذبُ فياض وملآن
قواعد كن أركان البلاد فما
عسى البقاء إذا لم تبق أركان
حيث المساجد قد صارت كنائس ما
فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدة
حتى المنابر ترثي وهي عيدان
وتختتم القصيدة بنغمة حزينة شجية تسفر عن الأسى العميق والتماس العظة والعبرة فيما حل بالأندلس:
لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ
إن كان في القلب إسلام وإيمان!