والحقيقة أن هذا المثال الغربي وليد شرعي لعصرالنهضة. فحركة الإصلاح الديني النصراني وفلسفات عصر التنوير ومبادئ الثورتين السياسية والصناعية، كل هذا يهدف إلى عَلْمَنَة الحضارة وعَقْلَنَة المجتمع اقتداء بالمنهج التجريبي. والتغريب ظاهرة عالمية يحاول أنصارها فرضها على العالم غير الغربي وهي دعوة باطنها باطل، إذ تهدف حركة التغريب إلى الإطاحة بكل القيم المتوارثة، وإفراغ الثقافة من مضمونها الأصيل، وجعلها مستوحاة من واقع مغاير.
والتغريب كما يبدو من هذه التعريفات، مفهوم يختلط ويتشابه مع مفهوم التحديث، إذ يتضمن الجمود والتبعية، وتشويه الهوية الثقافية، وإجهاض الأصالة والإبداع، ومن ثم فالتغريب ينكر التنوع الثقافي ويرفض الخصوصية الثقافية، متبنيًا نسقًا ثقافيًا واحدًا لعالم واحد هدفه القضاء على الثقافات الوطنية والسعي إلى إجهاض أي تطور ذاتي لها.
والمكونات الأساسية للثقافة العربية الإسلامية هي: 1- الدين منبع الثقافة ودعامتها، 2- اللغة، أداة الاتصال بين العرب ووعاء الفكر العربي. وهاتان الدعامتان هما أساس هويتنا. فاللغة العربية لغة القرآن. ومن مكونات ثقافة الوطن العربي أيضًا التاريخ والعادات والتقاليد والقيم الإسلامية. ويسعى التغريب إلى طمس هذه المكونات وإثارة البلبلة والريبة حولها.
وقد آمن بهذا النموذج الغربي من وجَّه وجْهَهُ إلى أوروبا أو اعتقد في الاشتراكية كراهية الاستعمار العسكري. وكلا الفريقين فقد الثقة في هويته الثقافية وافتتن بالنموذج الغربي.