لهم أن لا ينساقوا وراء الشيطان في كثرة المدح .
وهذا الموضوع - إنكار الخطأ وقبول بقية الصواب - يدلّ على منهج النقد أيما دلالة حيث إن من تعاريف النقد اللغوية: أنه تمييز الدراهم عن غيرها ، والنقر بالإصبع في الجوز [1] .
فكأن إنكار موضع الخطأ وقبول بقية الصواب كتمييز الدراهم بعضها من بعض لمعرفة الجيد منها والرديء ، وكذلك النقر للجوز لمعرفة الصحيح منه، وغير الصحيح ، ولذلك فقد استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المنهج حتى في العبادات ، فقد أقرّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض الناس على بعض الأمور مع الإنكار عليهم في أمور ، فدلّ ذلك على أن هذا المنهج هو من مناهج تصحيح الأخطاء ، التي ينبغي لمن أراد التصحيح أن يعتني به ، إذ ليس في كل أقوال وأفعال الناس خطأ عام ، فهناك من الناس من يقول كلامًا ، أو يفعل فعلًا ، وليس بالضرورة أن كل كلامه خطأ ، ولا كل فعاله خطأ ، وإنما الذي يحتاج إليه أن يُعَدَّل له خطؤه ويصحّح له ، ويبقي الصواب .
ولا شك أن مثل هذا التصرف يشعر المخطئ بإنصاف ، وعدل القائم بالإنكار والتصحيح ، ويجعل تنبيهه أقرب للقبول في النفس ، بخلاف بعض المنكرين الذين قد يغضب أحدهم من الخطأ ، غضبًا يجعله يتعدى في الإنكار يصل به إلى تخطئة ورفض سائر الكلام ، بما اشتمل عليه من حق ، وباطل ، مما يسبب عدم قبول كلامه ، وعدم انقياد المخطئ للتصحيح [2] .
أما الشاهد في موضوعنا ، وهو إنكار موضع الخطأ وقبول بقية الصواب في أحاديث العبادة فمن ذلك ما يلي:
قَالَ يَعْلَى لِعُمَرَ - رضى الله عنه -: أَرِنِى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ فَبَيْنَمَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْجِعْرَانَةِ ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِى
(1) - القاموس المحيط مادة ( نقد ) ص 412 .
(2) - انظر: الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس: المنجد ص 66 .