فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 322

والصواب ، ولهذا يجب على من أراد تصحيح الأخطاء أن يفعل هذا - الهجر - مع البعض إذا علم أن في ذلك مصلحة لهم ، وسبب في تصحيح خطئهم.

أمَّا ما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اتخاذه أسلوب الهجر لأجل تصحيح الأخطاء ، فذلك جليُّ واضح ، كما في قصة الثلاثة الذين تخلّفوا ، فعَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا ، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةَ تَبُوكَ إِلاَّ بَدْرٍ ، وَلَمْ يُعَاتِبِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْ بَدْرٍ ، إِنَّمَا خَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدُ الْعِيرَ ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مُغِيثِينَ لِعِيرِهِمْ ، فَالْتَقَوْا عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ ، وَلَعَمْرِي إِنَّ أَشْرَفَ مَشَاهِدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي النَّاسِ لَبَدْرٌ ، وَمَا أُحِبُّ أَنِّي كُنْتُ شَهِدْتُهَا مَكَانَ بَيْعَتِي لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلاَمِ ، وَلَمْ أَتَخَلَّفْ بَعْدُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا ، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ ، وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا ، آذَنَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ بِالرَّحِيلِ وَأَرَادَ أَنْ يَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ ،وَذَلِكَ حِينَ طَابَ الظِّلاَلُ وَطَابَتِ الثِّمَارُ ، وَكَانَ قَلَّمَا أَرَادَ غَزْوَةً إِلاَّ وَرَّى غَيْرَهَا ، وَكَانَ يَقُولُ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنْ يَتَأَهَّبَ النَّاسُ أُهْبَتَهُ ، وَأَنَا أَيْسَرُ مَا كُنْتُ ، قَدْ جَمَعْتُ رَاحِلَتَيْنِ لِي ، فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَامَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - غَادِيًا بِالْغَدَاةِ ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْخَمِيسِ ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، فَأَصْبَحَ غَادِيًا ، فَقُلْتُ: أَنْطَلِقُ إِلَى السُّوقِ وَأَشْتَرِي جِهَازِي ، ثُمَّ أَلْحَقُ بِهَا ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى السُّوقِ مِنَ الْغَدِ ، فَعَسُرَ عَلَيَّ بَعْضُ شَأْنِي فَرَجَعْتُ ، فَقُلْتُ: أَرْجِعُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَلْحَقُ بِهِمْ ، فَعَسُرَ عَلَيَّ بَعْضُ شَأْنِي أَيْضًا ، فَلَمْ أَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى لَبَّسَ بِيَ الذَّنْبُ ، وَتَخَلَّفْتُ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ وَأَطْرَافِ الْمَدِينَةِ فَيُحْزِنُنِي أَنْ لاَ أَرَى أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ ، وَكَانَ لَيْسَ أَحَدٌ تَخَلَّفَ إِلاَّ أَرَى ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ ، وَكَانَ النَّاسُ كَثِيرًا لاَ يَجْمَعُهُمْ دِيوَانٌ ، وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بَضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا ،وَلَمْ يَذْكُرْنِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ ، فَلَمَّا بَلَغَ تَبُوكَ ، قَالَ: مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي: خَلَّفَهُ يَا رَسُولَ اللهِ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ ، وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللهِ مَا نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا ، قَالَ: فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذَا رَجُلٌ يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت