فإن التعليم بالتدريج أخفُّ مؤنة ، وأدعى إلى الثبات من أخذه بالكدِّ والمغالبة » [1] .
وقال العلامة الطيبي: «المعنى أنه كان يتفقدنا بالموعظة في مظان القبول، ولا يكثر علينا لئلا نسأم » [2] .
وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعظ أصحابه، ويوجز في الموعظة ويتخولهم بها، ومن تلك المواعظ ما استخدمه عليه الصلاة والسلام في تصحيح الأخطاء ، وقد كان هذا المنهج - منهج تصحيح الخطأ بالموعظة - من المناهج التي أثّرت في الصحابة رضوان الله عليهم ، ووقرت في نفوسهم ، وبالتالي انقادوا لها ومن هذه المواقف ما يلي:
فعَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِىَّ بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلاَمَةَ زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ اجْمَعْ لِى نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِكَ حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ.فَبَعَثَ رَسُولًا إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أَصْفَرُ فَقَالَ تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ. حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ حَسَرَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ إِنِّى أَتَيْتُكُمْ وَلاَ أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ قَالَ وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَتَلَهُ فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ « لِمَ قَتَلْتَهُ » . قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهَ أَوْجَعَ فِى الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلاَنًا وَفُلاَنًا - وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا - وَإِنِّى حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَقَتَلْتَهُ » . قَالَ نَعَمْ.قَالَ « فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِى. قَالَ « وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . قَالَ فَجَعَلَ لاَ يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ « كَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » . [3] .
(1) - فتح الباري: 11 / 232 .
(2) - النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - معلمًا ص 224 .
(3) - صحيح مسلم- المكنز - (289) -البرنس: كل ثوب رأسه منه ملتصق به من أدراعه -حسر: كشف