ذلك هلاكه وهو ما عبّر عنه - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"أهلكتم"أو"قطعتم عنق الرجل"أو"ظهر الرجل".
ففي هذا الحديث التوجيه إلى المادح ألاّ يمدح صاحبه في وجهه ، وأن يقيّد مدحه بقوله: أحسبه كذلك وحسيبه الله ولا أزكي على الله أحدًا وذلك تأدّبًا مع الله تبارك وتعالى في ردِّ السرائر إليه ؛ لأنه سبحانه {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} (19) سورة غافر.
وعلَّق ابن حجر رحمه الله على الحديث بقوله: « قال ابن بطَّال: حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه ، لم يأمن على الممدوح العُجبَ لظنه أنه بتلك المنزلة ، فربما ضيّع العمل ، والازدياد من الخير ، اتكالًا على ما وصف به ... فإنه لا يأمن أنه يُحدث فيه المدحُ كبرًا ، أو إعجابًا ، أو يكله على ما شهره به المادح فيفتر عن العمل » [1] .
ثم إن المادح قد يجازف في المدح ويقول ما لا يتحققه ويجزم بما لا يستطيع الاطلاع عليه وقد يكذب وقد يرائي الممدوح بمدحه فتكون الطامة لاسيما إن كان الممدوح ظالما أو فاسقا [2]
والمدحُ ليس منهيا عنه بإطلاق وقد مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - أشخاصا وهم حضور وقد جاء في عنوان الباب في صحيح مسلم إيضاح مهم: باب النَّهْىِ عَنِ الْمَدْحِ إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ. (15) كتاب الزهد والرقائق
والذي يعدُّ نفسه مقصّرا لا يضره المدح وإذا مُدح لم يغترّ لأنه يعرف حقيقة نفسه ،فعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُمْدَحُ فِي وَجْهِهِ، قَالَ:"التَّوْبَةُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: اللهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ" [3] .
أما المدح المحظور ، أو المذموم فهو ما انعدم فيه الصدق ، أو صَاحَبَه النفاق ، أو جعل الممدوح متكبرًا ، أو ظالمًا ، أو مرائيًا أو غير ذلك من صفات المعجبين بأنفسهم . فعَنْ
(1) - فتح الباري: 10 / 493 .
(2) - فتح الباري لابن حجر - (10 / 476)
(3) - شعب الإيمان - (6 / 504) (4534) وفتح الباري لابن حجر - (10 / 478)