أَبِى مَعْمَرٍ قَالَ قَامَ رَجُلٌ يُثْنِى عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِى عَلَيْهِ التُّرَابَ وَقَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَحْثِىَ فِى وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ. [1] .
قال النووي رحمه الله: « هذا الحديث قد حمله على ظاهره المقداد الذي هو راويه ، ووافقه طائفة ، وكانوا يحثون التراب في وجهه حقيقة . وقال آخرون: معناه خيِّبوهم ، فلا تعطوهم شيئًا لمدحهم ، وقيل: إذا مدحتم فاذكروا أنكم من تراب فتواضعوا ، ولا تعجبوا ، وهذا ضعيف » [2] .
وللمدح المذموم والمحظور آفات كثيرة ، ذكر بعضها الغزالي رحمه الله فقال: « في المدح المذموم ستُّ آفات أربع على المادح وهي:
1-قد يفرط فيه فيذكره بما ليس فيه فيكون كاذبًا .
2-وقد يُظهر له من الحب ما لا يعتقده فيكون منافقًا .
3-وقد يقول له ما لا يتحققه ولا سبيل إلى الاطلاع عليه فيكون مجازفًا .
4-وقد يُفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق فيكون مناصرًا لظالم .
وآفتان على الممدوح:
قد يحدث فيه كبرًا وإعجابًا وهما مهلكان . قد يفرح فيفسد عمله ، أو يغترَّ» [3] .
وهذا بالنسبة لمن مدح بما ليس فيه ، أما من مُدحَ بما فيه فلا يدخل في النهي فقد مُدح النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشِّعر والخطب ، والمخاطبة [4] ، ومن ذلك مدحه - صلى الله عليه وسلم - من قِبَل كعب بن زهير ، في قصيدته المشهورة البردة ، فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِى سَلْمَى الْمُزَنِىُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَرَجَ كَعْبٌ وَبُجَيْرٌ ابْنَا زُهَيْرٍ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِى إِسْلاَمِ بُجَيْرٍ وَمَا كَانَ مِنْ شِعْرِ كَعْبٍ فِيهِ ثُمَّ قُدُومِ كَعْبٍ عَلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَإِسْلاَمِهِ وَإِنْشَادِهِ قَصِيدَتَهُ الَّتِى أَوَّلُهَا:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِى الْيَوْمَ مَتْبُولُ مُتَيَّمٌ عِنْدَهَا لَمْ يُفْدَ مَغْلُولُ
(1) - صحيح مسلم- المكنز - (7697 )
(2) - شرح صحيح مسلم للنووي 6 / 418 .
(3) - انظر: دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعراب ص 246 .
(4) - انظر فتح الباري: 10 / 493 .