-منهج الخلق العظيم الذي اتّصف به عليه الصلاة والسلام وإليك بعض الأمثلة:
فعَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِى حَيَاةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكُنْتُ غُلاَمًا شَابًّا ، وَكُنْتُ أَنَامُ فِى الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَأَيْتُ فِى النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِى فَذَهَبَا بِى إِلَى النَّارِ فَإِذَا هِىَ مَطْوِيَّةٌ كَطَىِّ الْبِئْرِ ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ - قَالَ - فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِى لَمْ تُرَعْ . فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ ، لَوْ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ » . فَكَانَ بَعْدُ لاَ يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلاَّ قَلِيلًا . [1]
ففي هذا الحديث مَدحٌ من سيد ولد آدم عليه - صلى الله عليه وسلم - لرجل من أصحابه وهو ابن عمر ، فكانت ثمرة هذا المدح عظيمة للممدوح ، حيث أخذ على نفسه عهدًا بقيام الليل حتى أنه كان لا ينام إلا قليلًا [2] .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما مدح عبد الله بن عمر بهذا المدح والثناء الجميل « نبّهه إلى أمرٍ غفل عنه ، وبأسلوبٍ رائعٍ محبّبٍ إلى النفس: لو كان يصلي من الليل ، وهكذا المدح والثناء في مكانه المناسب ، وزمنه المناسب ، وباعتدالٍ من غير مراءٍ ، ولا تبجيلٍ ، يؤتي ثماره في كل حين » [3] .
وعَنْ أَبِى بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ رَاكِعٌ ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ » [4] .
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (1121و1122 ) -ترع: تخف
(2) - انظر فتح الباري 12 / 421 ، ودعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعراب ص 244 .
(3) - منهج التربية النبوية للطفل ، لمحمد نور سويد ص 349 .
(4) - صحيح البخارى- المكنز - (783 )
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - لأَبِي بَكْرَةَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ ، فَإِنْ عَادَ رَجُلٌ فِي هَذَا الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَكَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ النَّهْيِ كَانَ مَأْثُومًا فِي ارْتِكَابِهِ الْمَنْهِيَّ ، وَصَلاَتُهُ جَائِزَةٌ ؛ وَلأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَبَاحَ هَذَا الْقَدْرَ لأَبِي بَكْرَةَ مُسْتثْنًى مِنْ جُمْلَةِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ فِي خَبَرِ وَابِصَةَ كَالْمُزَابَنَةِ وَالْعَرِيَّةِ وَلَوْ لَمْ تَجُزِ الصَّلاَةُ بِهَذَا الْوَصْفِ لأَبِي بَكْرَةَ لَأَمَرَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِإِعَادَةِ الصَّلاَةِ ، وَقَوْلُهُ: وَلاَ تَعُدْ أَرَادَ بِهِ لاَ تَعُدُ فِي إِبْطَاءِ الْمَجِيءِ إِلَى الصَّلاَةِ لاَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنْ لاَ تَعُودَ بَعْدَ تَكْبِيرِكَ فِي اللُّحُوقِ بِالصَّفِّ. صحيح ابن حبان - (5 / 571)