والخلاصة من هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غَضِبَ على هذا الرجل ، وأمثاله ، وأعلمهم بغضبه هذا أن ما ارتكبوه من أخطاء يجب عليهم أن يصحِّحوه ، ولذا كان الغضب على المخطئ من مناهج التصحيح ، وقد ورد في غضبه - - صلى الله عليه وسلم - - على الأفراد لغرض التصحيح ،فعَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهِىَ تَسْمَعُ: إِنِّى أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ فَأَغْتَسِلُ ، ثُمَّ أَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ » . فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: « وَاللَّهِ إِنِّى لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِى » . [1]
وغير ذلك من أحاديث تصحيح أخطاء الفرد بالغضب على المخطئ .
التصحيح بالغضب على الجماعة المخطئة:
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضى الله عنه - قَالَ احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حُجَيْرَةً مُخَصَّفَةً أَوْ حَصِيرًا ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى فِيهَا ، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ ، ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْهُمْ ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُغْضَبًا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِى بُيُوتِكُمْ ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ ، إِلاَّ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ » [2] .
ففي هذا الحديث غضبه - صلى الله عليه وسلم - على الجماعة بسبب خطئهم ، وقد عُلّل سبب الخطأ بما يلي:
1-كونهم اجتمعوا بغير أمره ، وبالغوا في حصب الباب .
2-لكونه تأخر إشفاقًا عليهم لئلا تفرض عليهم، وهم يظنون غير ذلك [3] .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد غضب عليهم في هذا الصنيع وغيره ، ولذلك لمَّا عرفوا غضبه كانوا يصحِّحون الأخطاء التي يرتكبونها ، لعلمهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما غضب إلا لإرادة تصحيح
(1) - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (4 / 213) (8246) صحيح
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (6113 ) -حصب: رمى بالحصى
(3) - انظر: فتح الباري: 10 / 534 .