أما في السنة النبوية فها هنا بعض المواقف والتي تدلُّ على أن الجهل من أهم أسباب الوقوع في الخطأ ، فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِىِّ قَالَ بَيْنَا أَنَا أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَرَمَانِى الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَىَّ. فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِى لَكِنِّى سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَبِأَبِى هُوَ وَأُمِّى مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِى وَلاَ ضَرَبَنِى وَلاَ شَتَمَنِى قَالَ « إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَىْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ » [1] .
فهذا الأعرابي - الحديث عهد بجاهلية - عندما أخطأ في أمر مهم وهي الصلاة عمود الدين حيث أحدث كلامًا غير مشروع فيها ، وهو تشميت العاطس ، وما أتى بهذا الأمر إلا نتيجة جهله . إذ لو كان عامدًا لبطلت صلاته إذ إنه - التشميت - من كلام الناس الذي يحرم في الصلاة ، وتفسد به إذا أتى به عالمًا عامدًا» [2] لكنه لما كان من كلام الجاهل إذا كان قريب عهد بالإسلام ... فلا تبطل الصلاة لحديث معاوية بن الحكم هذا ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بإعادة الصلاة ، لكنه علمه تحريم الكلام فيما يستقبل .
فانظر كيف أثَّر هذا الجهل على هذا الحُكم ؟ وكيف أثرَّ هذا الجهل على تصرفات هذا الأعرابي ؟ لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على قدر عظيم من الخُلق الذي شهد الله تعالى له به ، ورفقه بالجاهل ، ورأفته بأمته وشفقته عليهم .
وفيه التخلق بخُلقه - صلى الله عليه وسلم - في الرفق بالجاهل ، وحسن تعليمه ، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه [3] .
فهو - صلى الله عليه وسلم - لم ينهره ، ولم يضربه ، ولم يشتمه ، ولذلك أعلنها ذلك الأعرابي: أنه ما رأى معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه - صلى الله عليه وسلم - ، فهو لما أثَّر الرفق فيه ، وأدرك أن ما صدر منه كان بسبب قرب عهده بالجاهلية ، بدأ يستفسر عن الأمور التي كانت شائعة في الجاهلية كي يتمكن من اجتنابها - وكانت محرمة - بدل أن تظهر منه
(1) - صحيح مسلم- المكنز - (1227 )
(2) - شرح صحيح مسلم للنووي 2 / 191 .
(3) - انظر: المصدر السابق نفس الصفحة .