فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 147

التدخل وضم البحرين إلى إيران، واعتبارها محافظة إيرانية، والعبث بديمغرافيتها والمس بثقافة أهلها، سببه أن أول مسمار دق في نعش فارس «المجوسية» كان بقرار من الصديق، وانطلاقا منها. فبعد انتهاء حروب الردة في البحرين، انطلقت فكرة فتح فارس عبر المثنى بن حارث الشيباني الذي كان يشاغل الفرس على تخوم العراق. فلما بلغ الأمر الخليفة، بعد الانتهاء من تصفية حروب الردة، سأل عنه، فجاءه الرد على لسان قيس بن عاصم التميمي: «هَذَا رَجُلٌ غَيْرَ خَامِلِ الذِّكْرِ، وَلَا مَجْهُوْلَ النَّسَبِ، وَلَا ذَلِيْلَ العِمَادِ» . لكن المثنى الذي شغفته مجاهدة فارس حضر إلى المدينة وقابل الصديق، رضي الله عنه، وقال له: «يَا خَليفَةَ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَعْمِلْنِي عَلَى مَن أَسْلَمَ مِن قَوْمِي أُقَاتِلُ بِهِمُ هَذِهِ الأَعَاجِمَ مِن أَهْلَ فَارِس» ، فكان عهدا كتبه الخليفة للمثنى الذي استشهد في خضم فتح فارس.

في دول الخليج عامة، وفي السعودية خاصة، بلغت التهديدات الإيرانية أوجها مع استيلاء الحوثيين على اليمن، وما أعقبه من تدخل عسكري سعودي على شاكلة التدخل في البحرين. ولا شك أن التدخلات السعودية أثارت حنق الإيرانيين. وفي هذا السياق ليس صحيحا قراءة ما يجري بين الجانبين بأنه من قبيل التصعيد الإعلامي أو السياسي أو محض ضغوط إيرانية نفسية أو استعراض للقوة. فمهما كانت خلفيات التدخلات السعودية أو مبرراتها، وبقطع النظر عن أية تحفظات، فهي تمثل اعتراضا في أرفع مستوى لمسارات المشروع الصفوي. وفي المقابل؛ مهما حاولت إيران نفي التوسع الإمبراطوري، المحمل بكل الإرث الفارسي المجوسي وأحقاد «الإمامية» ، فإن ما فعلته في اليمن هو تمدد جديد لا هدف له إلا محاصرة الجزيرة من جنوبها. وباستثناء ما قامت به روسيا مؤخرا من ضم لمنطقة القرم (17/ 3/2014) ، ودعم الانفصاليين الروس في شرق أوكرانيا، لا نكاد نلحظ توسعا إقليميا من أية دولة في كل العالم، وعلى عين النظام الدولي، إلا ذاك الذي تقوم به إيران في العالم الإسلامي.

في المحصلة تبدو إيران على الأرض في وضعية هجوم لا يستثني أحدا مما تعتبره ولايات فارس التاريخية. وفي هذا السياق، وبعد أقل من أسبوعين على تصريحات وزير الخارجية محمد ظريف، يأتي هجوم قائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، على السعودية خلال مهرجان البحوث العلمية بجامعة «بقية الله» الطبية في طهران، وأمام المسؤولين الإيرانيين وقادة الحرس الثوري. بل أن الهجوم طال الحكومة الإيرانية، وطالبها: «أن لا تهادن النظام السعودي، لأن نظام آل سعود آيل للسقوط» ، وعلى المسؤولين الإيرانيين أن: «يتركوا الانتقادات البسيطة التي يوجهونها للنظام السعودي، من خلال بعض التصريحات التي نسمعها تصدر من هنا وهناك، وعليهم أن يتخذوا مواقف حازمة ضد السعودية ... (فـ) لم يوجّه المسؤولون في إيران انتقادات إلى السعودية بشكل مباشر، ولكن اليوم ومن خلال حرب السعودية على اليمن، ظهر الوجه الحقيقي لنظام آل سعود، لذلك على المسؤوليين الإيرانيين أن يتركوا سياسة المهادنة والدبلوماسية مع السعودية» ، وفي الإجمال يريد جعفري، الذي يصف أحداث اليمن بأنها «أحدث إنجاز للثورة الإسلامية» ، أن تخرج إيران من سياسية المهادنة وتدخل في مواجهة مباشرة، بعيدا عن البروتوكولات السياسية والدبلوماسية، وأن يكون واضحا للداخل والخارج، بحسبه، أن: «الثورة الإيرانية لا يمكن أن تنحصر داخل حدود معينة أو داخل إيران وحدها، بل جاءت هذه الثورة عابرة للحدود، لنصرة كل الشعوب المضطهدة من الشرق حتى الغرب» ، وفي بليغ القول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت