سماوي إلى دين وضعي. وهذا يعني وجوب التسليم بأن الدين السماوي لا يندثر كليةً بقدر ما يجري تحريفه. وهي مسلمة أكدها القرآن الكريم بأكثر من آية صريحة، تحدثت عن التحريف. لذا؛ فمهما بلغت نسبة التحريف، فإن بعض الطقوس والعبادات وعظائم خلق الله والرسالات ووسائل إيصالها، ظلت متواجدة بين البشر، عبر الكتب السماوية، أو الأديان الوضعية على السواء، كالإله، والأسماء والصفات، والآلهة والرب والأرباب، والشيطان والملاك والوحي، والبشر والحجر والشجر والبقر، والليل والنهار، والنور والظلام، والسماء والأرض، والشمس والقمر والنجوم، والكفر والإيمان، والخير والشر، والحق والباطل، والحلال والحرام، والهداية والضلال، والصلاة والصوم والزكاة والحج ...
كل هذه المفردات وغيرها موجودة، لكنها، بفعل التحريف، لم تبق في سياقاتها الربانية التي نزلت فيها. لذا من الطبيعي أن تتواجد في القرآن الكريم باعتبارها من الآيات التي احتوتها الكتب السماوية، والتي مثلت، على امتداد تاريخ رسالة التوحيد، دلالات يقينية على وجود الله وعظمته منذ بدء الخلق، وعلامات للتفكر البشري في خلق الله، والاهتداء إليه عز وجل. لذا فإن هذا التواجد لا يعني أن الرسول (هو من نقلها عن الأديان السابقة، كما تدعي قوى الإلحاد و «النصرانية» و «اليهودية» .
فالحقيقة الإسلامية التي لا تقبل الجدل أن كل الأنبياء والرسل اختارهم الله لتبليغ رسالة واحدة هي التوحيد. أما الإسلام، بالمقارنة مع ما سبقه، فهو الدين الذي به ختم الله، عز وجل، رسالته، من عهد آدم إلى عهد محمد (. والله سبحانه وتعالى هو الذي تكفل بحفظ الدين. أما عظمة الرسول فتكمن في أنه آخر من اختاره الله من خلقه، وآخر من استؤمن على كلامه في الأرض. ومن حكمة الله عز وجل، في إعجاز الطاعنين في دينه ونبيه، أنه اختار رجلا أميا، فقيرا يرعى الغنم، لا يقرأ ولا يكتب، وليس له في العلم أو الأديان السابقة، أو الرسالات أو الفلسفات، ناقة ولا بعير [1] .
وفي المحصلة؛ لما يقول الله عز وجل: {الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} ، (آل عمران: 19) ، فهذا يعني نسخا لكافة الكتب السماوية، وهداية لمن ضل الطريق، بفعل التحريفات التي وقعت بحق الكتب السماوية السابقة. إذ أن الإعجاز في القرآن الكريم يكمن في كونه (1) الكتاب الجامع الذي اشتمل على ما أراده الله في الكتب السماوية،
(1) مع هذا فقد اتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه أخذ الإسلام عن مصادر شتى. وبغرض الرد على الشبهات، قام باحث بتصنيفها إلى ثلاثة مصادر، هي: (1) «الأشخاص» ، مثل: شعراء العرب الجاهليين كامرؤ القيس وأمية بن الصلت، ودعوة زيد بن عمرو بن نفي، ولبيد بن ربيعة وقس بن ساعدة، وعبد الله بن أبي سرح، والأسقف نسطور، وبلعام بن باعوراء، وسليمان بن يسار، وعداس النصراني، وجبر الخضرمي، وورقة بن نوفل، والراهب بحيرى، وأن سلمان الفارسي كان يمد الرسول ... = ...
= الرسول بالمعتقدات الفارسية. وأنه اقتبس أمورًا فيزيائية من أرسطو. ومن (2) «الكتب المقدسة» ، مثل: التلمود، والمؤلفات الحاخامية، والمدراش، والكتاب المقدس، الأبوكريفا (الأناجيل غير القانونية) ، وكتاب الهاجادا، والأبستاق (الأفيستا) ، وكتاب بوندهانيشنيه. ومن (3) «الديانات» ، مثل: الزرادشتية، والمانوية والصابئة، والوثنية العربية، والهندوسية، والحنيفية، والهرطقات المسيحية. ومن (4) تراث الأمم والأساطير: كتابات الإغريق وخاصة أبقراط وجالين، والتراث البابلي كملحمة جلجامش، والآداب السريانية، والأساطير الأرمنية، والأساطير اليهودية والطقوس اليهودية، والأساطير الزرادشتية، وحضارة الأرمن. وردت في منتدى «التوحيد» بعنوان: «شبهة من نصراني» ، 16/ 8/2010، على الشبكة: http://cutt.us/aaMm 0