أو حتى ثقافة. وإذا قبلنا فكرة أنها ظهرت مع نهايات الحكم الأموي (41 - 132 هـ / 662 - 750 م) وبداية الحكم العباسي، فهذا يعني أنها حافظت على الاستمرارية دون توقف لأكثر من 1250 عاما. ولا يخلو وصف د. عبدالله السامرائي للشعوبية من وجاهة معتبرة حين يقول بأنها: «مجموعة مواقف متحدية يدفعها الوعي حينا فتكون منظمة، ويدفعها الحقد والحسد حينا آخر فتكون نزعة عدائية غير منظمة» .
والثابت أن الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين» كان أول من ذكرها رسما في التاريخ بالقول: «لم نرَ قومًا أشقى من هؤلاء الشعوبية ولا أعدى على دينه ولا أشد استهلاكًا لعرضه» . وفي تفسير القرطبي قال عنها: «الشعوبية تبغض العرب وتفضل العجم» ، وكذا الزمخشري في أساس البلاغة: «هم الذين يصغّرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلًا على غيرهم» ، وقال عنها ابن قتيبة: «لم أر في هذه الشعوب أرسخ عداوة ولا أشد نصبًا للعرب من السفلة والحشوة» . أما ابن تيمية فبعَّضَهم، بحيث لا يطال التوصيف كل الفرس، فقال: «من الناس من قد يفضل بعض أنواع العجم على العرب والغالب إن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق إما في الاعتقاد وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس .. إن بغض جنس العرب ومعاداتهم كفر أو سبب للكفر» . وقال فيها البغدادي: «الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عودة الملك إلى العجم» . ومن جهتها اختصرت الإنسكلوبيديا البريطانية الشعوبية بالقول أنها: «كل اتجاه مناوئ للعروبة» .
والسؤال: مع أن بعض الهنود والترك، خاصة من الفرس أو المتحدثين بالفارسية، وكذا الأندلسيين الذين طالتهم الشعوبية الفارسية في توسعها التاريخي، قبل أن تندثر إلى حد ما، لكن ما الذي جعلها تتضخم عند الفرس دون غيرهم من الشعوب والأمم؟
لا ريب أن أول الإجابات تتصل بكثرة دخولهم الإسلام. لكن المشكلة أعمق من ذلك. إذ ثمة الكثير من الشعوب والأمم دخلت الإسلام وكانت أكثر عددا من فارس. فكل بلاد الترك دخلت الإسلام، وكذلك الأكراد، والمصريين وحضارات ما بين النهرين وبلاد الشام وشمال أفريقيا وأجزاء من أفريقيا وشرقا وصل الإسلام حتى أقاصي الأرض مرورا بالهند والصين وماليزيا وإندونيسيا، وشمالا بلغ أوروبا. ومع ذلك لم تظهر الشعوبية فيها، ولم يحتج سكانها على العربية أو يرفضوها أو يعادوا ملتها. فلماذا فارس بالذات؟ ولماذا بدت نظرية ابن خلدون القائلة بأن «المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب» وكأنها، على الأقل، مهتزة إنْ لم تكن بلا جدوى مع فارس؟