فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 147

بالعبودية والجهل بستار المدنية والعلم. وهدموا الأسوار والبروج وأسقطوا الجدر والسقوف. وأطفأوا نيران المعابد? [1] . هذا مع العلم أن شريعتي من المفترض أنه من أشد المناهضين للصفوية والشعوبية!!! وهل ينطبق موقف هؤلاء من العرب والعروبة على الرسول (؟ وعلى آل بيته؟ وعلى الأئمة رضوان الله عليهم؟ وهل تنطبق أحقادهم على آيات الله البينات، حين يقول عز وجل: {وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} ،(الأحقاف:12) ، وقوله: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} ، (الشعراء: 195) . بمعنى آخر: هل الفرس المجوس من {الَّذِينَ ظَلَمُوا} ؟ أم من {الْمُحْسِنِينَ} ؟

الثابت الذي لا مراء فيه أن عداء فارس للعرب يسبق الإسلام. أما وجه الثبات في الأمر، فله من وقائع التاريخ والأحداث ما لا يحصى ولا يُعَد. أما أدبيا، فأبلغها جاء عبر قصيدة لَقيطِ بنِ يَعمُر بن خارجة الإيادي، أحد فحول الشعراء في العصر الجاهلي. وهو الذي كان يعمل كاتبا عند كسرى. ولعله علم بحكم مهنته، ما يدبره الفرس للعرب من حرب قادمة، فما كان منه إلا المسارعة إلى تحذير بني قومه، في قصيدة هي بحق تصلح لهذا الزمان [2] . تقول بعض أبياتها:

يا دارَ عَمْرَةَ مِن مُحْتَلِّها الجَرَعا ... هاجَتْ لي الهَمَّ والأَحْزانَ والوَجَعا

يا قوم لا تأمنوا إن كنتمُ غيرًا ... على نسائكم كسرى وما جمَعا

يا أَيُّها الرَّاكِبُ المُزْجى على عجَلٍ ... إِلى الجَزِيرَةِ مُرْتادًا ومُنْتَجِعا

أَبْلِغْ إِيادًا، وخَلِّلْ في سَراتِهِمُ ... إِنِّي أَرَى الرَّأْيَ، إِنْ لَمْ أُعْصَ قد نَصَعا

يا لَهْفَ نَفْسِيَ إِنْ كانَتْ أُمُورُكُمُ ... شَتَّى، وأُحْكِمَ أَمْرُ النَّاسِ فاجْتَمَعا

أَلاَ تَخافُونَ قَوْمًا لا أَبَا لَكُمُ ... أَمْسَوا إِليكمْ كأَمْثالِ الدَّبا سِرَعا

في كُلِّ يومٍ يَسُنُّونَ الحِرابَ لكم ... لا يَهْجَعُون إِذا ما غافِلٌ هَجَعا

لا حَرْثَ يَشْغَلُهُمْ بل لا يَرَوْنَ لهمْ ... مِن دُونِ قَتْلِكُمُ رَيًّا ولا شِبَعا

وتَلْبَسُونَ ثِيابَ الأَمْنِ ضاحِيَةً ... لا تَجْمَعُون وهذا الجَيْشُ قد جَمَعا

مالِي أَراكُمْ نِيامًا في بُلَهْنِيَةٍ ... وقد تَرَوْنَ شِهابَ الحَرْبِ قد سَطَعا

على كل حال، فبالرغم من الوضوح النسبي في المعنى اللغوي للشعوبية إلا أن المشكلة في توصيفها ظلت حاضرة في أغلب الأبحاث التي تناولتها، سواء لجهة اعتبارها حركة أو نزعة أو عقيدة أو اتجاه أو تيار أو فلسفة

(1) د. علي شريعتي، «دين ضد الدين» . مرجع سابق، ص 138. يبدو أن القوم لم يفارقوا منهج الأكاسرة، أو بولس وهو يتحدث عن بني إسرائيل، مخاطبا قومه: «أيها الأخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد حرة» ،] غلاطية 31: 4 [. فالعرب هم أبناء «الجارية» هاجر، واليهود هم أبناء «الحرة» سارة، أم النبي إسحق. وكلتاهما زوجتا النبي إبراهيم عليهم السلام.

(2) عبدالله الضحيك: «قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي- التاريخ يعيد نفسه» ، موقع «الكادر» ، على الشبكة: http://cutt.us/oOVf

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت