ففي مثل هذه الحالة لن يكون النظام السياسي إلا نسخة طبق الأصل عن النظام الاجتماعي. وهذا ما كان أحد مواضيع البحث عند د. عبدالله محمد الغريب حين أشار إلى أن: «الزعامة الدينية في بلاد فارس كانت تتمثل في قبيلة من القبائل» ، أما: «رجال القبيلة الدينية فهم ظل الله في الأرض، وقد خلقوا لخدمة الآلهة، والحاكم يجب أن يكون من هذه القبيلة، وتتجسد فيه الذات الإلهية، وتتولى هذه العائلة شرف سدانة بيت النار» . ويخلص إلى القول بأن: «عبادة الله عن طريق القبيلة هو الذي دفع الفرس إلى التشيع لآل البيت لا حبا بآل البيت ولكن لأن هذا التصور يلائم عقيدة المجوس» . إذ: «لا بد من عائلة مقدسة تتولى شؤون الدين، ومن هذه العائلة المقدسة الحكام وسدنة بيوت النار، ومن أهم هذه العائلات: ميديا، المغان» [1] .
أما من جهته فقد قدم أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة كوبنهاجن في الدانمرك، آرثر كرستنسن، قراءة عميقة، لبنية المجتمع الفارسي الطبقية، وعلاقته في النظام السياسي [2] . ووفق تراتبية هرمية وحادة، نجد صداها في الفلسفة الإغريقية القديمة، ثمة بنية طبقية حادة، حتى أنها تخترق كل طبقة من طبقات النظام. والعجيب أن البناء الطبقي في فارس، تصاغ وحداته وفق الكتاب المقدس المنسوب للمجوسية، والشهير باسم «الأفيستا» . ويلفت كريستينسن الانتباه إلى أن: «الهيكل الاجتماعيّ والإداريّ من الأُمور المُقدَّسة، التي لا تحتمل التغيير، حتَّى أواخر عهد الإمبراطوريَّة» . وينقل عن «الأفيستا» نصها على ثلاث طبقات اجتماعية، باستثناء طبقة الحكام. وهي: « (1) رجالُ الدين، و (2) رجالُ الحرب و (3) الحرَّاثين، وأصحاب المهن والحِرف» . ويلاحِظ أنَّ: «تطوّر الحياة العامَّة في الإمبراطوريَّة، أفرز نظامًا سُباعيًّا على أساس سبع طبقات، وقُسِّمت كُل طبقة بدورها إلى عدَّة أقسام» . وأن: «المُجتمع الفارسي الساساني قائمٌ على نظام مُلزم للطبقات، وفق هيكلٍ أنشأه مؤسس هذه السُلالة، الشاه أردشير بن بابك» . أما الطبقات السبع فهي:
-? الطبقة الأولى، هم المُلوك والأُمراء وحُكَّام الولايات، وعلى رأسهم شاه فارس الذي يحكم وفقًا لِنظريَّة الحق الإلهي المُقدَّس للمُلوك، ويحمل لقب «شاهَنشاه» أي «ملك المُلوك» .
-الطبقة الثانية، هم الأشراف، والطبقة القويَّة المُكوَّنة من رؤساء الأُسر السبع المُمتازة، ولِكُلِّ أسرةٍ منها منطقة نُفوذ تُقيمُ فيها إلى جانب انخراط أفرادها في البلاط، ويحتكرون بعض الوظائف العامَّة مثل تتويج الملك والتعبئة العسكريَّة وإدارة شؤون الحرب وجباية الضرائب.
-الطبقة الثالثة، هم رجال الدين، وهم عدَّة أقسام، يرأسهم قاضي القضاة أو «موبذان موبذ» ، ثُمَّ المؤابذة والزُهَّاد والسدنة، والهرابذة خُدَّام النار المُقدَّسة.
-الطبقة الرَّابعة، هم رجال الحرب، يترأسهم «إيران سپهبد» ، وتشمل صلاحيَّاته وزارة الحرب وقيادة الجيش العُليا، يليه الضُبَّاط على اختلاف رُتبهم ويُطلق عليهم لقب «الأساورة» .
-الطبقة الخامس، هم موظفو الدواوين أو الكُتَّاب، وتضم كُتَّاب الرسائل والحسابات والشُعراء والأطباء والمُنجمون.
-الطبقة السَّادسة، هم «الدَّهاقون» ، رؤساء القُرى ومُلَّاك الأراضي الذين يستمدون قوَّتهم من الملكيَّة الوراثيَّة للإدارة المحليَّة، ومسؤوليته جباية الضرائب وتمويل الدولة.
-الطبقة السَّابعة، هي طبقة الشعب، وهم الفلَّاحون والصُنَّاع والرُعاة والتُجَّار وأهل الحِرف?.
(1) د. عبدالله محمد الغريب: «وجاء دور المجوس: الأبعاد التاريخية والعقائدية والسياسية للثورة الإيرانية» ، نسخة إلكترونية =
= ص 32، «شبكة الدفاع عن السنة» ، على الشبكة: http://cutt.us/yAgR. والكتاب للشيخ أحمد بن سرور زين العابدين، والاسم أعلاه مستعار. مع الإشارة إلى أن الزعامة الدينية لقبيلة «ميديا» انتقلت في عصر زراديشت إلى قبيلة «المغان» .
(2) آرثر كريستنسن: «إيران في عهد الساسانيين» ، مرجع سابق.