ثم ليتوسع باتجاه بلاد الشام ومصر. ولما تم له ذلك عمل على توطين الفرس في البلاد، خاصة من طبقة رجال الدين. إلا أن إقطاع الأراضي لهذا الطبقة مع فرض الضرائب والعمل على تغيير التركيبة السكانية، والتدخل في معتقداتها ودياناتها، لم تكن إلا مبررات للثورات، التي اجتاحت البلاد من بابل إلى مصر، وسط احتقان لدى أهل الشام.
يقرأ الكاتب عبدالله الضحيك هذه التطورات بكونها مقدمة، ستنتهي بكسرى فارس، قمبيز الأول، ابن
قورش، إلى «إقامة كيان يكون معاديًا لمحيطه على المفصل الحيوي بين بابل ومصر والأقاليم الأخرى» [1] . والمدهش بهذه النتيجة أن الحديث عنها قبل نحو 2500 سنة تَجَدد ثانية في مؤتمر «كامبل» ، وزير خارجية بريطانيا، الذي عُقد في العاصمة البريطانية - لندن، فيما بين سنتي 1905 - 1907. وانتهى بما عرف بـ «توصية كامبل» ، التي مهدت لصدور «وعد بلفور» سنة،1917 الذي دعا إلى، وعمل على، «إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين» . أما التوصية فقالت:
«أكد المؤتمرون: إن إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ويربطهما معا بالبحر الأبيض المتوسط بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها. هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة» !!!
ينتسب الكاهن عيزرا، المتوفى سنة 444 ق. م، إلى طائفة «الفريسيين» أو ما يعرف بـ «الأرثوذكسية اليهودية» . وفي زمانه شغل منصب «المسؤول عن شؤون اليهود في البلاط الفارسي» ، وهو الشخصية التي تكفلت بتنفيذ المشروع. وكان عليه، مع تلامذته الكتبة، أن: «يهيؤوا المنفيين اليهود نفسيا للرحيل من بابل، ومنها يقومون على احتلال العالم كما وعدهم يهوه» [2] . أما فكرة عزرا، فكانت استغلال الواقع الديني لليهود، الذي لم يكن ينعم بعد بأي نص مكتوب كالتوراة، فضلا عن تلمود بابل فيما بعد. فكل ما كان بحوزته تعاليم شفاهية. ولا شك أن كتابة عزرا للتوراة بعد مرور 500 عام على النبوة سيكون مشروعا مغريا، لاسيما إذا تم تبريره بكونه «إملاء من الروح القدس» [3] . وبعيدا عن التفاصيل، فقد نجح عزرا، بموجب توراته الجديدة التي صاغها بمعية الكتبة من تلاميذه، بوحي من احتياجات فارس، بإقناع اليهود بها، والشروع بالعودة إلى «أرض الميعاد» [4] ! لكنه بقي في بابل لكتابة التلمود، ولم يعد مع المجموعات الأولى إلى بيت المقدس. ولما عاد لاحقا بدت «اليهودية» منظمة، من حيث
(1) عبد الله الضحيك: «لوثة كسرى وسفر عزرا: جريمة تحريف التوراة علي يد الفرس واليهود» ، 13/ 2/2015، موقع «القادسية» ، على الشبكة: http://cutt.us/YsdK
(2) «التوراة تاريخها وغاياتها» ، المؤلف أميركي الجنسية، ولم يرد اسمه في الكتاب، ترجمة وتعليق سهيل ديب، دار النفائس، بيروت - لبنان، ص 29.
(3) بالمقارنة مع عبد الله الضحيك، «التلمود البابلي الصناعة الفارسية اليهودية» ، موقع «الكادر» : http://cutt.us/3 pa 0 E
(4) من بين الطوائف العائدة إلى بيت المقدس يذكر ظفر الإسلام خان طائفة: «المهستنيون mehestanites الذين عادوا من السبي البابلي مشبعين بعقائد زرادشت القائمة على الإيمان بالفلكيات والأرواح الطيبة والشريرة» . وردت لدى: ظفر الإسلام خان، «التلمود: تاريخه وتعاليمه» ، بيروت - لبنان، دار النفائس، ط 2/ 1971، ص 37.