توفرها، لأول مرة، على نص مكتوب، سيمكنها والأجيال القادمة من قراءة دينها ودراسة تعاليمه، ويؤسس لحياة ومستقبل ما سيبدو بنظرها شعبا وقوما متماسكا. أما التلمود فهو الشريعة الشفاهية التي تفسر التوراة.
في المحصلة، لا التوراة ولا التلمود يتضمنان شريعة النبي موسى (. وهي نتيجة يدركها اليهود بكافة علمائهم. وفي السياق يذكر إسرائيل شاحاك أن:? «سفر عزرا في العهد القديم، يشمل سردا لنشاطات عزرا الكاهن، ... الذي خوله ملك فارس، ارتحششتا الأول، صلاحية «تعيين قضاة على يهود فلسطين» ، حتى إذا حصل «ولم يأتمر أحدهم بقانون الرب آلهكم، وبقانون الملك، ينفذ فيه الحكم بسرعة، سواء حكما بالموت أم بالنفي أم بمصادرة البضائع أم بالسجن» ?.
لذا فإن صاحب «التوراة: غاياتها وتاريخها» ، لم يفته قول أحد المراجع التي يصفها بـ «الصميمة» ، وهو يعلق على هوية الديانة «اليهودية» ، بالقول: «إن تفهم الديانة العبرية مستحيل ما لم تؤخذ بعين الاعتبار، وبشكل مستمر، الديانات والثقافات الأخرى التي نمت وترعرعت في وادي الفرات ... إن الأصول القضائية البابلية، وكذلك الطقوس المعمول بها في المعابد البابلية، يجب أن تؤخذ كعوامل حاسمة التأثير على الشرائع العبرانية في الأصول القضائية والطقوس الدينية» [1] .
وبحسب شاحاك و: «من خلال سفر نحاميا، ساقي الملك، ارتحششتا، الذي عين حاكما فارسيا ليهودا ويتمتع بسلطات أكبر» ، فقد وصل إلى نتيجة مدهشة للغاية، في معاينة أثر فارس في الديانة «اليهودية» ، حين يقول: «يتبين لنا إلى أي حد كان دور الإكراه الأجنبي، ... فعالا في فرض الديانة اليهودية، وبنتائج دائمة» [2] . أما وجه الدهشة فيمكن ملاحظتها في المشاهد الثلاثة التالية:
المشهد الأول: يكمن في صفة الديمومة التي تؤكدها آيات الله تعالى في بني إسرائيل: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًاّ كَبِيرًا} ، (الإسراء:4) . فاليهود هم ملة الفساد والإفساد في الأرض إلى قيام الساعة.
المشهد الثاني: أن الفرس المجوس هم أكثر من يقف خلف تحريف التوراة، بل والحض على وضعها بالمحتوى الذي يلائمهم، وتحقق أغراضهم كإمبراطورية توسعية آنذاك.
المشهد الثالث: في كَتَبة الشريعة البابليين، الذين رغبوا، بوعي أو بلا وعي، في تحقيق ما تصبو إليه فارس من «نتائج دائمة» ، حين اتخذوا، بحسب وصف د. آرثر روبن لهم: «إجراءات استثنائية لعزل اليهود عن باقي العالم، ونظموا
(1) «قاموس التوراة» ، منشورات «سكريبنر» ، نيويورك، 1909، ص 28. A Dictionary of the Bible; Charled Scribner's Sons; New York; 1909.
(2) إسرائيل شاحاك، «الديانة اليهودية وتاريخ اليهود: وطأة 3000 عام» ، ترجمة رضى سلمان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت لبنان، ط 4/ 1997، ص 96. وفي ص 97 من الكتاب يتحدث شاحاك عن: «كتاب في مصر يعود تاريخه إلى 415 ق. م يحتوى على نص لأمر صادر عن ملك فارس، داريوس الثاني، ويتضمن تعليمات ليهود مصر بالنسبة إلى تفاصيل التقيد بفرائض عيد الفصح» .