حياتهم الخاصة تنظيمًا دقيقًا قاسيًا، وفرضوا عليهم شروطًا حياتية، تجعلهم تحت رحمة رؤسائهم ما داموا أحياء، بل وجعلوا منهم فئة محقودًا عليها، بل محاربة من باقي العالم، عن سابق قصد وتخطيط، مما لا يحسدون عليه إطلاقًا» [1] . لذا فقد لخص صاحب «التوراة: غاياتها وتاريخها» ، هذا المشهد بقوله، أن التوراة: «لم تكن دينا
صحيحا بمعنى الكلمة، بل منظمة قتالية تلبس لبوس الدين» [2] .
قد يبدو مثيرا التساؤل؛ عمن أثر في الآخر: اليهود أم الفرس المجوس؟ أو من استفاد أكثر من الآخر؟ لكن المؤكد أن الطرفين تبادلا، بصلافة، المنافع على امتداد التاريخ. ولئن كان العرب قد دفعوا ثمنا باهظا، بسبب تحالفات الفرس واليهود قبل التاريخ، فإن الأمة المسلمة دفعت، من دينها وأبنائها ومستقبلها، أفدح الأثمان، بسبب ما أحدثوه من فتن وحروب، وتحالفات مع كل عدو بعد التاريخ الميلادي، وخاصة بعد وفاة الرسول (.
وفي سياق استمرار تحالفاتهم مع اليهود، قطعت المصنفات التاريخية كل شك بيقين، بحقيقة هوية الدولة العبيدية، وما فعلته من كوارث بحق الأمة. ومما قاله الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء 15/ 151، بحق عبيد الله المهدي، أول حكامه، أن: «في نسب المهدي أقوالٌ: حاصِلُها: أنَّه ليس بهاشميٍّ، ولا فاطميٍّ» ، وفي صفحة 213، نقل عن أبي شامة صاحب كتاب: «كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد» ، قوله: «يدَّعون الشرف، ونسبتهُم إلى مجوسي، أو يهودي، حتى اشتهر لهم ذلك، وقيل: الدولة العلوية والدولة الفاطمية، وإنما هي الدولة اليهودية أو المجوسية أو الملحدة، الباطنية» . ويشير الباحث الباكستاني ظفر الإسلام خان إلى أن اليهود تبوؤا: «مناصب هامة جدا في مصر حتى العصر الحديث، وخصوصا في الدولة الفاطمية، التي نكاد أن نقول إن اليهود هم الذين كانوا يحكمونها من وراء الخليفة» [3] . وبعد تركيا أتاتورك، كانت إيران هي الدولة الثانية في العالم الإسلامي التي اقيم علاقات واسعة مع «إسرائيل» ، وظلت كذلك إلى سنة 1979، حين أطاح الخميني بنظام الشاه. وأغلق مقر البعثة «اليهودية» ، لكن دون أن يقطع العلاقات مع «اليهودية» ، ورموزها الثقافية والاقتصادية، بما في ذلك صفقات الأسلحة خلال الحرب العراقية - الإيرانية ما بين سنتي 1980 - 1989.
أما الاطلاع على عقائد «الإمامية» مثلا، وهو ما أشرنا إليه سابقا في البحث، فسيبدو مشهد التحالف مثيرا، بقدر ما تبدو «الإمامية» ، هذه المرة، هي المنتفعة منه أكثر من التراث اليهودي، الموضوع في توراة بولس وتلموده. ولا ريب أنها كانت مقارنات طريفة تلك التي قام بها الباحث العراقي، علي الكاش، بين التلمود ومراجع «الإمامية» في عقائد «الولاية» و «الرجعة» والتوريث والطاعة و «التقية» وتناسخ الأرواح والملائكة و «المهدي المنتظر» واستشارة الله للأئمة والحاخامات، وغيرها من المشتركات المنهجية وحتى العقدية. ولعل أطرف ما قالته «الإمامية» في السياق أن: «القائم سيحكم بشرع داوود. وأن المسيح المنتظر سيجمع يهود العالم في القدس، والمهدي المنتظر
(1) «التوراة تاريخها وغاياتها» ، مرجع سابق، ص 52. نقلا عن د. آرثر روبن، «اليهود في العصر الحاضر» ، دراسة اجتماعية، برلين 1904 = Dr. Arthur Rupin: The Jews of the Present: A Socio-Scientific; Berlin 19; Berlin 1904.
(2) نفس المرجع، ص 18.
(3) ظفر الإسلام خان، «التلمود: تاريخه وتعاليمه» ، مرجع سابق، ص 52.