فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 147

من المفترض أن يكون الجواب بالنفي التام، بل من المفترض أن تكون الإدانة والاستنكار والاستهجان مطلقة. ومن المثير حقا، أن يأتي الإنصاف، والحقيقة، بحق العربية، من بعض المستشرقين كما جاء على لسان غوستاف لوبون حين يقول: «مع أن الفاتحين الذين ظهروا قبل العرب لم يستطيعوا أن يَفْرِضوا على الأمم المغلوبة لغاتِهم قَدِرَ العربُ (بعد الإسلام) ، على فَرض لغتهم عليهم، ولما صارت اللغة العربية عامةً في جميع البلاد التي استولَوا عليها حلَّت محلَّ ما كان فيها من اللغات، كالسريانية واليونانية والقبطية والبربرية ... إلخ، وكان للغة العرب مثل ذلك الحظ زمنًا طويلًا، حتى في بلاد فارس على الرغم من يقظة الفرس، أي ظلت اللغة العربية في بلاد فارسَ لغةَ أهل الأدب والعلم، وظل الفرس يكتبون لغتهم بالحروف العربية، وكُتِب ما عرفته بلاد فارس من علم الكلام والعلوم الأخرى بلغة العرب، وللغة العربية في هذا الجزء من آسية شأنٌ كالذي كان للغة اللاتينية في القرون الوسطى، وانتحل الترك أنفسُهم، وهم الذين قهروا العرب، الخط العربي، ولا تجد في تركية إنسانًا على شيء من التعليم لا يستطيع أن يفهم لغة القرآن بسهولة» [1] .

إذن؛ لا معنى للعالم دون العرب. إذ لولا أن خلق الله، عز وجل، الإنسان، ربما ما كان هناك إسلام ولا مسلمين ولا أول الأنبياء ولا خاتمهم ولا كان ثمة حاجة لعرب أو عروبة! لكنها إرادة الله الذي خلق كل شيء وقدره تقديرا، وجعل من نسل آدم خير الخلق أجمعين. أما عند فارس الشعوبية، بالأمس واليوم، فالمسألة على النقيض تماما! ولعلنا نتذكر كلام الرئيس محمد خاتمي أمام الجالية الإيرانية في نيويورك حين قال جملته الشهيرة: «قبلنا الإسلام ولم نقبل العربية» . بل أن خامنئي يذهب أبعد من ذلك حين قال أن: «الأمة الإيرانية تصلح لأن تكون على هرم الثقافة العالمية» !!! ... وفي اليوم التالي بدا واثقا من نفسه أكثر، وهو يصرح بأن: «الشعوب الإسلامية مدينة لجهود وأبحاث الإيرانيين في المجالات الثقافية» !!! لننطلق من اللغة الفارسية، ولنرَ حجم الثقافة الفارسية ما قبل التاريخ الميلادي وبعده.

في الحقيقة؛ حتى يومنا هذا لا يزال معنى كلمة «فارس» موضع بحث وجدل بين الباحثين لشدة غموضها. فهي ما بين «قاطع طريق» أو نسبة لمنطقة عرفت باسم «بارس» ، أو نسبة إلى قبائل بدوية، استقرت في الجنوب عند منطقة سموها «فارس» ، قرب شيراز اليوم، وتعني «السائب والغازي» ، وهما صفتان لا تتضمنان أي معنى للاستقرار والأمن والبناء، ولا تليقان بأية منظومة قيمية رفيعة، أو أخلاق كريمة. وفي هذا المعنى نجد في التوراة وصفا لـ «الفرس» بأنهم: «أناس برابرة جدًا وسفاحون لا يرحمون أحدًا» . وليس معروفا إذا ما كان هذا التوصيف قد دفع زرادشت إلى أن يدعو ربه قائلا: «اللهم خلّص هذه الأمة (الفرس) من الكذب» ! أما المؤرخ الإيراني، ناصر بوربيرار، فقد ذكر في كتابه الشهير « (12) قرنًا من الصمت» أن «أصل الكلمة مشتقة من كلمة persian، والپرژن أو البرشن هي اسم مذكر لإحدى قبائل اليهود الاسفرديم» .

ومن الواضح أنه ما من أصل واضح لفارس يمكن تتبعه، وما من مصداقية لدعوة زرادشت، إلا بكونها ترجمة لِما أنتج الشعوبيون المجوس ومؤرخيهم وعلمائهم، من دين جديد سموه «الإمامية» ، الذي تسعة أعشاره يقوم

(1) غوستاف لوبون: «حضارة العرب» ، القاهرة - جمهورية مصر العربية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، البريد الإلكترونيhindawi@hindawi.org، ترجمة عادل زعيتر، 2012، ص 456.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت