فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 147

الثابتة، والظاهرة لكل عيان، أن ما يسمى بالحضارة الفارسية لم تترك أي أثر حضاري حيثما تواجدت، بخلاف الأثر الروماني مثلا. علما أن الحضارتين تعاصرتا وتنافستا وتحاربتا قرونا طويلة من الزمن.

من جهته، يقطع بوربيرار كل شك بيقين حين يعاين مصادر التراث لفارسي، فيقول: «يوجد لدينا في إيران عدد من النقوش على الصخور من عهد الإخمينيين والساسانيين، لا تتحدث هذه النقوش عن (1) أية ثقافة أو (2) حضارة أو (3) فكر أو حتى (4) عن دين» . بل يقول بما لم يقله أحد من قبل: «لا يوجد في هذه النقوش أي كلام عن زرادشت وكتابه أفيستا. فلم تتحدث هذه النقوش عن الشؤون الثقافية، حيث كلها ومن دون استثناء إما تتحدث عن قضايا شخصية، وإما عن قضايا عسكرية» . ويطالب أولئك: «الذين يدعون بوجود زرادشت وكتابي أفيستا وزند، أن يقدموا وثائق تاريخية تثبت هذا الأمر. فهؤلاء الذين يدعون بوجود أديان أو حكمة في إيران القديمة أو أي شيء ثقافي أو حضاري قبل نشوء الإسلام، لم يقدموا (1) أية وثيقة، ولا (2) أية نقوش، صخرية، ولا (3) حتى مسكوكة نقدية، حيث من دون هذه الوثائق يتحول الكلام في هذا المجال إلى أساطير» [1] .

إذن حصيلة اللغة الفارسية، ما قبل التاريخ، هزيلة للغاية! فهي على المستوى الحضاري لم تنجز نصا أو نقشا، يوثق أدبا أو شعرا أو دينا أو علما، ولم تورث أثرا أو مَعْلما أو فنا يمكن الاسترشاد به. فكل ما توفر «عدد من النقوش على الصخور من عهد الإخمينيين والساسانيين» !!! لذا؛ ومع أن البعض ينسبها إلا اللغات الهندوآرية القديمة [2] ، إلا أن فقرها الحضاري ربما كان السبب لدى البعض في اعتبارها مجرد «لغة آرية مجهولة، تنسب إلى قبائل الفرس البدوية النازحة إلى إيران قبل قوروش الكبير» . بمعنى أنها لم تنتج حضارة، ولم تكن لها أية مساهمات حضارية، تعكس حضورها ومكانتها. ولعل هذا الفقر، الذي يرجع أساسا إلى «ضعف اللغة البهلوية» ، هو الذي «يفسر انعدام المؤلفات العلمية والأدبية، فهي لغة غير قادرة على استيعاب العلوم بمختلف أنواعها» . وهذه حقيقة أدركها العجم قبل العرب، فهذا كيكاوس صاحب كتاب «النصيحة» يوصي ابنه: «إذا كتبت رسائلك بالفارسية فلتكن مشوبة بالعربية، فإن الفارسية الصرف لا تعذب في المذاق» . وصية؛ نجد نظيرا لها لدى البيروني، حيث يقول: «من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسي، كيف ذهب رونقه، وكسف باله، واسودّ وجهه، وزال الانتفاع به» [3] أي لا نص ولا روح نص. وعليه؛ فإذا كان للفارسية من حضور، خلال التاريخ الميلادي على الأقل، فهو ذلك الذي وجد أعظم تجلياته في سياق التاريخ الإسلامي أولا، ثم في سياق اللغة العربية ثانيا.

(1) ثمة شريط وثائقي للمؤرخ الإيراني بوربيرار من أربع حلقات بعنوان: «ترجمة الفلم الوثائقي لفضح الحضارة الفارسية المزيّفة» ، قناة «حركة النضال العربي لتحرير الأحواز» ، على موقع «يوتيوب» : http://cutt.us/kkSzc

(3) عبدالله الضحيك: «مقارنة بين الحالة الثقافية للإمبراطورية الفارسية والعصر العربي الجاهلي» ، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت