فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 147

كتب الصحفي السعودي، محمد السلمي، مقالة في صحيفة [1] «الوطن» السعودية، عرض فيها لرؤية الكاتب الإيراني، عبدالكريم سروش، عن أزمة الهوية التي يعاني منها الإيراني اليوم. وهي رؤية تكشف عن تساكن ثلاث هويات متصارعة في شخصية واحدة:

الأولى، الهوية الدينية الإسلامية التي صورها بعض القوميين الإيرانيين، بشكل أو بآخر، بأنها هوية أجنبية وغريبة لا تمثل العنصر الإيراني (الفارسي) ، بل تجعله أقرب إلى العرب منه إلى ذاته الفارسية.

الثانية، الهوية الفارسية التي تتغنى بالماضي (ما قبل الإسلام) وتعتصر ألمًا على فقدانه، وهذه الهوية تمت بلورتها في مدارس الاستشراق والاستعمار، ولكنها حظيت بقبول كبير لدى الشخصية الإيرانية الحديثة.

الثالثة، هوية تتقمص الثقافة الغربية وتتبناها بشكل كامل وتنسلخ تماما من كل شيء قديم ما عدا اللغة الفارسية. إلا أن المشكلة ليست في التنظير، بل في تطبيق هذه النظرية وتقمصها، فقد كان من الصعوبة بمكان اختيار أحد هذه الأصناف دون أن يحتوي على أي من مكونات الصنفين الآخرين.

لعل أطرف وأغرب وأعجب التصريحات وأكثرها إثارة للدهشة، ما تناقلته وكالات الأنباء، «فرانس برس، رويترز، ي ب 12/ 9/1979» ، عن مهدي بازركان، أول رئيس وزراء إيراني في عهد الخميني، حيث صرح للإذاعة الإيرانية، بعد نحو سبعة شهور من انتصار الثورة، قائلا: «إن جوهر الوجود الايراني كدولة قد تولد من اتصالنا مع الغرب، وإنه لمما يتنافى مع المبادئ الشرعية الاسلامية تدمير كل ما هو أجنبي» . وأنه: «فيما عدا القصائد الفارسية القديمة للفردوسي [2] فإنه لا توجد أية فكرة عن القومية، وقد ظهر مفهوم الأمة والشعب الواحد فقط بعد تبلور الغرب» [3] ! وبهذا التصريح الصريح فوق العادة لم يبق لإيران أي وجود حضاري يعتد به، لا حاضرا ولا ماضيا. بل أن وجودها برمته، بما في ذلك الشعور القومي، مدينة فيه للغرب.

وفي المحصلة؛ فإن كل ما أنتجته اللغة الفارسية القديمة والحديثة، طوال 2500 سنة، لم يكن إلا منتجات لحركة شعوبية، نشطت في حياكة الفتن، والعداء للعرب والعروبة والدين، فهل يمكن تصنيف مثل هذا الوجود

(1) محمد السلمي: «إيران بين أزمة الهوية وأزمة التاريخ والعرب» ، صحيفة «الوطن» السعودية، 5/ 2/2016. على الشبكة: http://cutt.us/mbIP

(2) (يقصد بازركان ملحمة «الشاهنامة» التي كان أبو القاسم منصور الفردوسي(935 - 1020 م) يكتبها مقابل أجر! فإذا انقطع عنه توقف ووبخ مؤجره! ولأنه لا يوجد غيرها نجد الإيرانيين حتى الآن يعظمونها لدرجة أن وصفها لسان الدين بن الخطيب بـ «قرآن الفرس» ، باعتبارها الوحيدة التي تذكرهم بماضيهم، وليس لأنها الأعظم في تاريخهم.

(3) في خضم جولات الحوار بين الأمريكيين و «الإسرائيليين» وإيران في العواصم الأوروبية وحتى في «إسرائيل» ، يذكر بارزي جولة 9/ 7/1985 التي استمرت أربع ساعات في مدينة هامبورغ الألمانية، التي جمعت بين مدير عام وزارة الخارجية «الإسرائيلية» ، ديفيد كمحي، ومستشار الأمن القومي الأمريكي، روبرت ماكفرلين، والمقرب من الخميني، حسن خروبي. خاطب هذا الأخير «الإسرائيليين» قائلا: «يمكن أن تساعد أمريكا على إنقاذ إيران من وضعها الصعب. إننا مهتمون بالتعاون مع الغرب، فلدينا مصالح مشتركة معه، ونرغب أن نكون جزء منه» . لدى: تريتا بارزي، التحالف الغادر: حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة»، ترجمة أمين الأيوبي، الدار العربية للعلوم، بيروت - لبنان، ط 1 - 2008، البريد الإلكترونيasp@asp.com.lb، ص 63 و 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت