وفي نفس الكتاب (ص 467) يقول الإمام: «فللفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة (عليهم السلام) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة ولا يعقل الفرق، لأن الوالي. أي شخص كان. هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية والآخذ للخراج وسائر الماليات والمتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين» .
ويقول في موضع آخر: «وعلى ذلك يكون الفقيه في عصر الغيبة وليًا للأمر ولجميع ما كان الإمام (عليه السلام) وليًا له، (ص 496) . ويقول كذلك في موضع آخر: «ثم إن المستحصل من جميع ما ذكرناه أن للفقيه جميع ما للإمام (عليه السلام) إلا إذا قام الدليل على أن الثابت له (عليه السلام) ليس من جهة ولايته وسلطنته بل لجهات شخصية» .
بدأت قصة صعود الخميني وأفكاره في مطلع ستينات القرن العشرين. فقد اعتقل في أعقاب ما عرف سنة 1963 بـ «الثورة البيضاء» ، التي أعلن الشاه بموجبها حزمة مما سمي بالإصلاحات، ذات النزعة التغريبية الفجة، والتي تسببت باحتجاجات شعبية دموية. وجاء الاعتقال على خلفية جملة قيل أن الخميني وصف الشاه بها بأنه: «رجل بائس سيئ» . ثم أفرج عنه ووضع تحت الإقامة الجبرية لمدة ثمانية شهور، ثم اعتقل أواخر العام 1964، قبل أن يتم نفيه خارج إيران، ليعود، بعد 14 عاما قضاها في المنفى، قائدا للثورة الشعبية التي أطاحت بالشاه سنة 1979.
ما بين الإعلان عن «الثورة البيضاء» وسقوط الشاه، شهدت إيران مرحلة استبداد على شاكلة مصطفى
كمال أتاتورك في تركيا. لذا فقد ظهرت ردود فعل قوية من علماء ومفكرين إيرانيين من بينهم الخميني الذي كان ينشط باتجاه بديل إسلامي للتغريب الشاهنشاي. وبدأت الفكرة بالقول أن: «الإسلام يتطلب حكومة إسلامية يتزعمها ولي فقيه، أي كبار فقهاء القانون الإسلامي، في سلسلة محاضرات في أوائل سنة 1970، صدرت فيما بعد في كتاب، بين الخميني أن المذهب الشيعي يتطلب الانصياع لقوانين الشريعة وحدها، وفي سبيل ذلك، لا يكفي أن يقود الفقهاء جماعة المسلمين، بل عليهم أن يقودوا الحكومة أيضًا» . أما الكتاب فقد «انتشر على نطاق واسع في الأوساط الدينية، خاصة بين طلاب الخميني والملالي، وصغار رجال الأعمال، وراح هذا الفريق يطور ما سيصبح شبكة قوية وفعالة من المعارضة داخل إيران، مستخدمة خطب المساجد، وتهريب شرائط تسجيلات صوتية للخميني وطرق أخرى» .
يقول الموسوي أن غياب البديل، بفعل الاعتقالات والقمع الشاهنشاهي، وليس الكفاءة، كان السبب الذي دفع المعارضة الإيرانية لاختيار الخميني كواجهة يمكن تقديمها للمجتمع الإيراني. ولم يكن أحد ليتصور أن يغدو هذا الاختيار هو الكارثة المنتظرة بعينها [1] . لكن إذا كان الشاه بهلوي خرج عن «الخط العقدي» لـ «الإمامية» ، بانتهاجه فلسفة التغريب، إلا أنه لم يخرج عن «الخط الزمني» لفارس. أما الخميني فلم يخرج عن أي من الخطين، فيما استحدثه من «ولاية الفقيه» . ولا ينفي هذا أن «ولاية الفقيه» لا تزال مسألة خلافية بين تيارين في «الإمامية» ، أحدهما، وهو المهيمن، يؤيدها بشدة ويدافع عنها بكل ما أوتي من قوة، والثاني يعارضها، ويعتبرها الأداة الاستبدادية التي تحكم الإيرانيين بقوة السلطة وأدواتها وليس بدعواها الفقهية أو العقدية.
(1) د. موسى الحسيني، «الثورة البائسة» ، مرجع سابق، ص 15.