فيأتيه معهم لامتبرمًا ولا متكرهًا، بل باسطًا من آمالهم، وجامعًا الحسن في كل باب لهم.
ترى جازريه يرعدان وناره ... عليها عداميل الهشيم وصامله
يجران ثنيًا خيرها عظم جارة ... بصيرًا بها لم تعد عنها مشاغله
جعلت له جازرين على عادتهم في جعلهم اصحاب المهن فيهم اثنين اثنين، كالبائن والمستعلى في الحلب، والماتح والقابل في الاستغناء. وجعلهما يرعدان لشدة البرد، وانما تعنى وقت الجدب وعند امحال الناس. والعداميل: العتيق من الخشب الغليظ، واحدها عدمول على القياس وعدملى. والصامل: اليابس. والمعنى: اذا اشتد الزمان وشمل القحط واشتد البرد، كان له جازران ينحران، وناره عظيمة وقودها من الحطب الغلاظ العتق؛ وترى العفاة والمضرورين بالفناء نازلين، وذوى الحاجة من جوانب الحى يعترون، وهو يقتسم فيها ما يرضيهم. وقولها"يجران ثنيًا"يعنى الجازرين. والثنى: التي ولدت بطنين، وهي مما يضن بها. وقولها"خيرها"تريد: خير أبدائها ومفاصلها البدء الذي يجعل لجارة له قد عرفها، فهو بصير بها وبحالها، وليست تعني جارةً بعينها، انما المراد الكثرة، فالجارات علىذلك لاتتخطاها أشغاله المزدحمة، ولايغض العناية بها الأسباب المتراكمة، بل قد وصى بها وبأمثالها فيتفقدن بأوفر الانصباء عند قسمة الجزور. وقالت"بصيرًا بها"والفعل للمرثى، فجرى على غيره من هوله، لأنه تبع الجارة، واذا كان كذلك فالواجب كان عليها أن تظهر ضميره فتقول بصيرًا بها هو، لأن اسم الفاعل والصفة المشبهة اذا جرى واحد منهما على ماقبله صفةً أو صلةً أو حالًا أو خبرًا لم يحتمل الضمير كما يحتمله الفعل، لضعفه وانحطاط منزلته. وأكثر أصحابنا على أنه لابد من ذلك، حتى أبا الحسن كان يلحن الكلام اذا لم يجر على هذ السنن. والكوفيون وبعض أصحابنا يجوزون ترك اظهاره. وهذه الشاعرة دعتها الضرورة الى وضع المتصل موضع المنفصل، فتركت التغيير. وقولها"لم تعد عنها"أي لم تصرف. يقال:
عدت بيننا عواد، اى صرفت صوارف