الشباب. ومن فلسفته أن مبادئ الشباب وعاداته إذا هي لم تتغير اتصل الشبابُ فيها واطَّرد في الروح. فتكون من ذلك قوة تحرس قوة اللحم والدم، وتمسك على الجسم حالته النفسية الأولى
وهو يزيد في حكمة الصلاة فكرةً رياضيةً عملية لم ينتبه أليها أحد، هي رياضة البطن والأمعاء بالركوع والسجود والقيام؛ ويقول إن ثروة الصلاة تُكْنَز في صندوقين: أحدهما الروح لما بعد الموت، والأخر البطن لما قبل الموت. ويرى أن الإسلام لم يفرض صلاة الصبح قبل الشمس إلا ليجعل الفجر ينصبُّ في الروح كل يوم
قال المحدّث: وبينما نحن جالسان مرّ بنا شيخٌ أعجفُ مهزولٌ موهونٌ في جسمه، يَدْلُفُ متقاصِرَ الخطوْ كأن حِمل السنين على ظهره، مُرْعشٌ من الكبَر، مستقدِمُ الصدر منحنٍ يتوكأ على عصا، ويدل انحناؤه على أن عمره قد اعوجَّ أيضًا. وهو يبدو في ضُعفه وهُزاله كأن ثيابه ملئت عظامًا لا أنسانا، وكأنها ما خيطت إلا لتمسك عظما على عظم. .
قال: فحملق إليه (م) ثم صاح: رينا، رينا. فالتفت العجوز، وما كاد يأخذنا بصره حتى أنفتل إلينا وأقبل ضاحكا يقول: أوه رِيت، رِيت
ونهض (م) فاحتضنه وتلازما طويلا، وجعل رأسهما يدوران ويتطوَّحان، وكلاهما يقبل صاحبه قبلًا ظامئة لا عهد بمثلها في صديقين، حتى لخيّل إلي أنهما لا يتعانقان ولا يتلاثمان ولكن بينهما فكرة يعتنقانها ويقبلانها معًا. .
وقلت: ما هذا أيها العجوز؟
فضحك (م) وقال: هذا صديقي القديم (ن) تركته منذ أربعين سنة معجزةً من معجزات الشباب، فها هو ذا معجزة أخرى من معجزات الهرم، ولم يبق منه كاملًا إلا اسمُه. .
ثم التفت إليه وقال: كيف أنت يا رِينا؟
قال العجوز (ن) : لقد أصبحت كما ترى؛ زاد العمر في رجليَّ رجلًا من هذه العصا، ورجع مصدرُ الحياة فيَّ مصدرًا للآلام والأوجاع، ودخلت في طبيعَتي عادة رابعة من تعاطي الدواء
فضحك (م) وقال: قبح الله هذه الدخيلة، فما هي العادات الثلاث الأصلية؟
قال العجوز: هي الأكل والشرب والنوم. . ثم أنت يا رِيت كيفَ تقرأ الصحف الآن؟