وأهم ما في الكتاب هذا القسم التاريخي. ومن قرأ القصائد الواردة فيه بإمعان يستنتج منها مادة تاريخية، بيد أن كتابًا عرف مؤلفه بإكثاره لا يخلو من مسائل نعدها اليوم ترهات، وربما كانت في عصره وقطره حقائق مسلمة.
أما الكتاب الثاني، فقد نقل عن عبيد بن شرية من المعمرين من أهل اليمن أيضًا. كان وفد على معاوية بن أبي سفيان في الشام، فلما رآه معاوية آية في تاريخ اليمن وملوك العرب والعجم يروي أخبارهم مشفوعة بأشعار، أمر كتابه أن يدونوا ما يتحدث به عبيد بن شرية في كل مجلس سمر فيه مع معاوية، فعبيد هذا كان الراوية والمدونون كتاب معاوية.
وفي هذا الكتاب حديث هلاك عاد وثمود وجرهم وخروجهم من اليمن إلى الحرم، وناشر النعم بن عمرو بن يعفر بن عمر، وشمر يرعش بن افريقيس بن أبرهة بن الرائش، وتبع الأقرن وهو ذو القرنين، وملكي كرب بن أسعد ابن تبع الأكبر، وأسعد أبو كرب الأوسط. وتتخلل كل ذلك قصائد عليها مسحة السذاجة والبداوة، والغالب أنها أو بعضها من شعر الجاهلية القريب العهد بالإسلام، كان ينقل من الصدور ثم دون في السطور.
ذكر ابن النديم صاحب الفهرست أن معاوية لما أمر بتدوين ما يرويه في مجلسه عبيد بن شرية أمر أن ينسب إليه، وأن لعبيد عدة كتب. وكان معاوية يعجب بحفظ عبيد ويستزيده، وقال له مرة: (خليق يا عبيد أن يكون هكذا، فزادك الله علمًا وفهمًا، وزادنا بك رغبة وعليك حرصًا فأنا لا نحصي أياديك، فزادك الله فضلًا إلى فضل وهدى إلى هدى) .
وفي تدوين معاوية روايات عبيد دليل بأن التدوين حدث منذ القرن الأول، فقد ذكروا أن زيد بن ثابت ألف كتابًا في علم الفرائض، وأن عبد الله بن عمر كان يكتب الحديث وألف كتاب في قضاء علي في عهد ابن عباس، وأن وائلة بن الأسقع من أهل الصفة المتوفى سنة ثلاث وقيل خمس وثمانين، كان يملي على الناس الأحاديث وهم يكتبونها بين يديه. وكل هذا يدل على أن القوم بدأ تدوينهم في عصر الصحابة، وإن لم يدونوا ما أفرد في التأليف إلا في القرن الثاني للهجرة.
أما عبيد بن شرية هذا فهو من الإخباريين، ولناشر كتابه الأستاذ كرينكو رأى فيه. كتب إلي يقول: (إنك تعتقد كما اعتقد قبلك ياقوت الحموي وابن خلكان أن عبيد بن شرية كان رجلًا أخباريًا بالحقيقة، وأنا أخالف رأيك، ورأى من سلف، وأعتقد أن روايته من