وسأل لويس أباه: (ما الذي يصيب الكلاب والذئاب بالجنون؟ ولم يموت الناس بعضة منه؟) . وكان أبوه في زمان مضى جاويشًا قديمًا في جيش نابليون، فرأى عشرات الألوف من الناس تمون من الرصاص، ولكنه لم يدر لم يموت الناس من الأمراض.
فكنت تسمع هذا الدباغ التقي يجيب ابنه السائل فيقول: (من الجائز يا بني أن شيطانًا من الشياطين دخل جلد الذئب، وإذا قضى الله لك بالموت فلا مرد لقضائه) . هذا جواب، لو تأملته لوجدته على بساطته كأحسن ما يجيب به أكثر العلماء حكمة، وأغلى الأطباء أجورًا. ولم يكن أحد يعرف في عام 1831 لم يموت الناس من عضة الكلب المسعور، فأسباب هذا المرض كانت غامضة مجهولة.
أنا لا أحاول أن أدخل في روعك أن هذا الحادث الذي وقع لـ (بستور) في صباه كان السبب الذي حدا به في رجولته إلى كشف سبب هذا الداء وكشف علاجه. إذن لزاد هذا في جمال قصتنا، وكان كذبًا وبهتانًا. ولكن الحق أن هذا الحادث راعه طويلًا، ولزمته ذكراه الأليمة طويلًا، وتفكر فيه طويلًا. والحق أنه أحس ريح الشواء تصعد من لحم الفلاح إلى أنفه إحساسًا أشد ألف مرة ممن أحسوها، وأنه سمع صراخه فنفذ في نفسه إلى أغوار أبعد من أغوار الآخرين ممن سمعوها، واختصارا أريد أن أقول إن هذا الصبي كان مجبولًا من تلك الطينة التي يجبل منها الفنانون، وان ذلك الفن فيه عاون علمه يدًا بيد في إخراج تلك المكروبات إلى الوجود بعد انزوائها مرة أخرى بوفاة (اسبلنزاني) . ولا أحجم عن القول إن (بستور) في السنوات العشرين الأولى من حياته لم تظهر عليه شارة تنبئ بمصيره بحاثًا كبيرًا، فإنه قضاها طفلًا جلدًا 0على الشغل، ذا عناية بما يعمل، ولكن عين الناظر المتفقد لم تكن تقف عنده طويلًا. وكان يقضي فراغه في التصوير، فكان يصور النهر الذي يجري بجوار المدبغة، وكان يصور أختيه فيثبتان له ساعات حتى تتصلب أعناقهما، وتتوجع ظهورهما. وصور أمه صورا قاسية، ليس فيها من الملق شيء، وليس فيها من الجمال شيء، ولكنها أشبهت أمه.
وفي هذه الأثناء أهمل الناس حيوانات (اسبلنزاني) الصغيرة حتى نسوها، وقام العالم السويدي (لينيأس) يقسم الأحياء ويبوب أجناسها، فيجعل لكل جنس جذاذة، ويجعل من الجذاذات فهرسًا عظيمًا، حتى إذا جاء إلى تلك الأحياء الصغيرة، رفع يديه يأسًا منها، قال: