فإننا نجيب عن ذلك بما أجاب به الإمام الحافظُ ابنُ عبد البر؛ إذ قال: «وجهُ ذلك كلِّه ـ عند أهلِ العلم والفهم ـ في المال المكتسب من الوجوه التي حرَّمها الله ولم يُبِحْها، وفي كلِّ مالٍ لم يُطِعِ الله جامعُه في كسبه، وعصى ربه من أجله وبسببه، واستعان به على معصية الله وغضبه، ولم يؤد حقَّ الله وفرائضَه فيه ومنه؛ فذلك هو المال المذموم والمكسب المشؤوم. وأمّا إذا كان المال مكتسبًا من وجهٍ مباح، وتأدّت منه حقوقُه، وتُقرِّبَ فيه إلى الله بالإنفاق في سبيله ومرضاته؛ فذلك المالُ محمودٌ، ممدوحٌ كاسبُه ومنفقُه، لا خلاف في ذلك بين العلماء، ولا يخالف فيه إلاّ مَنْ جهل أمرَ الله» ا هـ.
فإن قيل: لو كان في الغِنى خيرٌ لاختار له الله أفضلَ عبادِه رسولَه -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه عاش فقيرًا مسكينًا. قلنا: أمّا هذا فوَهْمٌ؛ فلم يعش -صلى الله عليه وسلم- فقيرًا ولا مسكينًا بالمعنى الذي يفهمه الناس للمسكنة؛ مِن الحاجة إلى الناس وهوانِ النفس، بل كان عائلًا في أول حياته فأغناه الله، ومنَّ عليه بذلك فقال: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} [الضحى: 8] ، وجمع الله له بين مقامَيِ الصبرِ والشكر، وكيف يصحُّ هذا الزعم، وهو الذي كان يعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر، ويثيب على الهدية بخيرٍ منها، وأنَّى يكون له الفقرُ وهو الذي كان يستعيذ بالله منه. وأمّا أنه لم يكن من أصحاب الثراء؛ فنعم! ولكن لله في ذلك الحكمةُ البالغة؛ فإنّه ـ سبحانه ـ لم يختر نبيّه -صلى الله عليه وسلم- صاحبَ ثراء، بل ولا زعيمَ قبيلة، ولا رئيسَ عشيرة، ولا صاحبَ جاه؛ كيلا تلتبس قيمةٌ واحدة من قيم هذه الأرض بهذه الدعوة الربانية النازلة من السماء، ولكي لا تزدان هذه الدعوة بزينة من حلي الأرض ليست من حقيقتها في شيء، ولكي لا يدخلها طامعٌ ولا يتنزَّه عنها متعفف.