ويقول الجاحظ: «كتمان السر خُلُق مركب من الوقار والأمانة؛ فإن إخراج السر من فضول الكلام، وليس بِوَقُورٍ مَنْ تكلم بالفُضُول. وأيضًا فكما أنه من استودع مالًا فأخرجه إلى غير مودعه فقد خفر الأمانة؛ كذلك من استودع سرًا فأخرجه إلى غير صاحبه فقد خفر الأمانة، وكتمان السر محمود من جميع الناس، وخاصة ممن يصحب السلطان؛ فإن إخراجه أسراره ـ مع أنه قبيح في نفسه ـ يؤدي إلى ضرر عظيم يدخل عليه من سلطانه» (3) .
ب - المحافظة على الأسرار أمانة عظيمة:
حفظ الأسرار وكتمانها أمانة عظيمة، يجب الوفاء بها، وقد حثَّنا الشرع عليها، وحذَّرنا من فشو الأسرار والتفريط فيها، قال ـ تعالى ـ: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] ، وقال ـ تعالى ـ: {وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8] . ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان» (4) .
وعلى من أُودِعَ سرًا أن يحافظَ عليه ولا يفشيه أبدًا، وإلا أصبح خائنًا، وهي صفة مشابهة للمنافق الذي إذا ائتمن على شيء خانه، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أربعٌ من كُنَّ فيه كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَنْ كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النِّفَاقِ حتى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وإِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذَا عَاهَدَ غَدَر، وإِذَا خَاصَمَ فَجَر» (5) ، وجاء في حديث عمران بن حصين ـ رضي الله عنه ـ قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «.. إِنَّ بَعْدَكُم يَخُونُونَ ولا يُؤتمنُونَ» (6) .
ويقول الكفوي عن عظم المحافظة على الأسرارِ والحذرِ من التساهلِ في التفريطِ فيها: «أوكد الودائع كتم الأسرار» (7) .