ولذا؛ فإن المحافظة على الأسرار أمر عظيم لا يقوم به إلا الخلَّص من الناس، وقد أجاب الراغب الأصفهاني عن سبب التفريط الشنيع في المحافظة على الأسرار بقوله: «إن للإنسان قوتين: آخذة، ومعطية، وكلتاهما تتشوف إلى الفعل المختص بها، ولولا أن الله ـ تعالى ـ وكَّل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار مَنْ تزوده، فصارت هذه القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها، فعلى الإنسان أن يُمسكها ولا يُطلقها إلا حيثما يجب إطلاقها» (8) .
ولِيُعْلَم أن أمناء الأسرارِ عزيزٌ وجودهم، فهم أقل وجودًا من أمناء الأحوال، «وحفظ المال أيسر من كتم الأسرار» (9) .
ج - صفات أمين السِّر:
قد تدعو الضرورة بعض الناس إلى الإفضاء بأسرارهم إلى بعض أصدقائهم من أجل مشورتهم أو تخفيف بعض همومهم، لكن عليه أن يتخير صاحب السِّر، من وُصِفَ بالأمانة والدِّينِ والعقلِ. ويذكر الماوردي بعض الخصال في صفات أمين السر، أن يكون: «ذا عقل صاد، ودين حاجز، ونصح مبذول، وود موفور، وكتومًا بالطبع» (10) .
ومما ينبغي التنبه إليه في المحافظة على الأسرار وتخير صفات أمين السر ما يأتي:
1 -عدم إيداع السر إلى من يتطلع إليه، ويؤثر الوقوف عليه:
قال الشاعر:
لا تُذِعْ سرًا إلى طالبه منك فالطالب للسر مذيع
2 -عدم كثرة المستودَعين للسر، فإن كثرتهم سبب الإذاعة؛ إذ القليل منهم الذي يحافظ على السر (11) :
وقال الشاعر:
فلا تنطِق بسرك كلُّ سرٍّ إذا ما جاوز الاثنين فاشي
قال عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ: «القلوب أوعية الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كلُّ امرئ مفتاح سرِّه» (12) .
وقال الشاعر:
إِذَا ضَاقَ صَدر المرء عَن سِر نَفسِهِ فَصَدر الذِي يستودع أَضيَق
وحكي أن رجلًا أَسَرَّ إلى صديق لَهُ حديثًا، ثم قال: «أفهمتَ؟ قال: بل جهلتُ، قال: أحفظتَ؟ قال: بل نسيتُ» (1) ، وهو بهذا يُكَنّي عن نفسه بعدم البوح لأي أحد.
د - التحذير من إفشاء الأسرار: