فهرس الكتاب
فلا يلبث إلا وقد نضب ما لديه من العلم، ثم يصل بعدها إلى مرحلة التحضير بالقطعة أو بالطلب، ثم إلى مرحلة الإعادة والتكرار، وقد يشعر المتربي بأن مربيه قد فرغ جرابه، مع ما في ذلك من أثر سيئ.
وكان أهل العلم من السلف يحرصون على إيجاد هذا التوازن بين طلبهم ومذاكرتهم العلم، وبين تعليمهم إياه، ويتضح ذلك جليًا في قول ابن مهدي - رحمه الله:"كان الرجل من أهل العلم إذا لقي من هو فوقه في العلم فهو يوم غنيمته، سأله وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه في العلم علَّمه وتواضع له، وإذا لقي من هو مثله في العلم، ذاكره ودارسه" (11) .
4 -وضع العلم في إطار من الهيبة والوقار عند إلقائه أو تدريسه:
قال عمر - رضي الله عنه: تعلموا العلم، وتعلموا له السكينة والوقار (12) .
فذلك من شأنه أن يجعل للعلم الأثر النفسي ثم العملي اللائق به، مما يوفر على المربي جهدًا كبيرًا، ويُقرِّب له التوفيق من عمله. قال أحمد بن سنان:"كان عبد الرحمن بن مهدي لا يُتحدث في مجلسه، ولا يُبْرى قلم، ولا يقوم أحد كأنما على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة، فإن تُحُدِّث أو بُري قلم صاح ولبس نعليه ودخل" (13) فما ظنك بأثر العلم الذي يتلقونه (في نفوسهم) وهم على هذه الحال؟!
وفي المقابل: حين دخل - رحمه الله - على الوليد بن يزيد - وهو خليفة - فقال له الوليد: يا ربيعة! حدثنا! قال: ما أحدِّثُ شيئًا. فلما خرج من عنده قال: ألا تعجبون من هذا الذي يقترح عليَّ كما يقترح على المُغنية: حدثنا يا ربيعة! (14) .
الصفة الثانية: حسن السمت وتَمثُّلُ مستوى القدوة:
عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الهَدْي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة" (15) .
فهذا الحديث يبين لنا أن الذي يتحلى بالسمت الصالح والهدي الصالح يُقتدى به ويحاكي بعض صفات النبوة، وكفى بذلك شرفًا.