فهرس الكتاب
والسمت والهَدْي متقاربا المعنى؛ فالسمت بمعنى الطريقة أو هيئة أهل الخير (16) ، والهدي هو الطريقة أو السيرة (17) ، وهدي الرجل سيرته العامة والخاصة وحاله وأخلاقه (18) .
فهذا يشمل إذن ما يتعلق بحال المسلم من كلام وفعال وتعاملات وملبس وهيئة وحركات وسكنات ونحوه، ولا يتسع المجال - بالطبع - لاستعراض تفاصيل ذلك، ولكن لكل علم مظانه (19) .
والمراد: أن المربي أوْلى الناس بالاتصاف بحسن السمت والهدي والأدب؛ إذ إنه القدوة الأولى لمن يربيهم، وقدوة المرء من تسنن واقتدى به (20) ، وإذا كان مجرد المخالطة والاجتماع تفتح مجالًا كبيرًا لتبادل الطباع والأخلاق؛ إذ الطبع لص - كما يقولون - يسرق من غيره؛ فكيف بمن يجتمع في حقه أثر المخالطة مع أثر الاحترام والاعتراف بالفضل.
ويكفي لتصور أهمية هذه الصفة بالنسبة للمربي أن نعلم أنه عندما ينزل عن مستوى القدوة الحسنة فيتدنى مستوى فعله عن مستوى كلامه فإنه يكون أشبه بمن يُمسك في إحدى يديه قلمًا، وفي الأخرى ممحاة، فكلما كتب كلامًا بيمناه محته يسراه،"ومن لا يستطيع تصحيح أخطاء نفسه فلا يصح له أن يكون قيِّمًا على أخطاء الآخرين يصحح لهم وينقد" (21) .
ولبيان موقع القدوة الحسنة من التأثير التربوي نقول: إن الخطاب التربوي يمكن تجريده إلى ثلاثة أمور:
الأول: الكلام النظري ونعني به: بيان الأمر مع الثواب أو العقاب.
الثاني: حكاية الفعل ونعني به: ذكر مثال عملي لما سبق سواء كان معاصرًا أو تاريخيًا.
الثالث: رؤية الفعل (عمل المربي) ونعني به: التنفيذ العملي الذاتي لما سبق فيما يُستطاع شرعًا وواقعًا.
ولو نظرنا في أثر كل من هذه الثلاثة - منفردًا - في تكوين الدافعية للعمل، لوجدنا أن ثالثتها"رؤية الفعل"أشد أثرًا وأبقى.